الحرب الإثيوبية المصرية قادمة لا ريب فيها.. ولن تستأذن !

الحرب الإثيوبية المصرية قادمة لا ريب فيها.. ولن تستأذن !

د. محمد الجوادي

2019-12-03T13:08:25+01:00
2019-12-13T16:41:27+01:00
خارج الحدودسياسةمقالات الرأي
3 ديسمبر 2019
الحرب الإثيوبية المصرية قادمة لا ريب فيها.. ولن تستأذن !
د. محمد الجوادي

أبدأ بمثلين شديدي الإيحاء وكفيلين بتقريب الحقيقة الغائمة، المثل الأول: كان الرئيس عبد الناصر يبدو للعالم كلّه في غاية الحكمة والتعقُّل حين يقول إنه لن يجعل أحداً يفرض عليه موعد أو مكان المعركة مع إسرائيل، ولم يكن يقصد بهذا التعبير إسرائيل وحدها وإلا لكان قد قاله بصراحة ووضوح، ولكنه كان يقصد العرب ممّن كانوا يُزايدون عليه بأنه على حد تعبيرهم المستفز له يختبئ وراء قوات الطوارئ الدولية أو يحتمي بها.. وكان هؤلاء يصلون في انتقاده العلني إلى حد معايرته بهذا “الموقف الاستراتيجي” الذي اضطر إلى القبول به عقب هزيمة 1956 التي صوّرها انتصاراً معتمدا على احتكاره للإعلام والتأثير الإعلامي، ومن ثم فقد تصوّر المصريون أنهم كسبوا ما أسموه بالمعركة السياسية بينما تضمنت المعركة السياسية نفسها هزيمة لا تقل عن العسكرية فقد أقرت التسوية (من دون إعلان) تكريساً لمكاسب إسرائيلية من قبيل السماح بمرورها في قناة السويس، ومن ثم مرور التسليح القادم إليها فضلاً عن التزام الرئيس عبد الناصر نفسه بمنع أي نشاط للمقاومة الفلسطينية من الأراضي المصرية، وبمنع كل سلاح عن فلسطين وغزة، وبخلو سيناء كلّها من الأسلحة والقوات المسلحة.

كان هذا الوضع بلا شك وضعا مقلقا للرئيس عبد الناصر نفسه على الرغم ممّا جلبه للرئيس عبد الناصر من غطاء لمكاسب إعلامية أو سياسية، وكان من الصعب أن يستمر الرئيس عبد الناصر نفسه بهذا الوضع الذي إن جاز القبول به سنة أو اثنين فإنه يستحيل القبول به للأبد، لأنه يعني غياب السيادة والإرادة وحرية الحركة والمناورة، وهكذا فإن أي خبير استراتيجي كان يعرف ان جولة جديدة من الصراع العربي الإسرائيلي بعد 1948 و1956 لا بد وأن تتم مهما كانت نتائجها، ذلك أن زعامة الرئيس عبد الناصر كانت قد أصبحت على المحك، بعد أن بزغت شمس الأجنحة العسكرية للقوى البعثية واحدة بعد أخرى في سوريا وأصبحت سوريا أسيرة لحكم البعث والصراع البعثي – البعثي، وبعيدة تماماً عن قبضة الناصريين والقوميين وبخاصة بعد أن ضعفت عاما بعد آخر مكانة القوى القومية بفعل السياسات المصرية والناصرية قبل أيّ فعل آخر. وهكذا يستطيع أي قارئ للتاريخ الآن أن يستمع ويفهم ما احتواه الخطاب السياسي للرئيس عبد الناصر في تلك الفترة، وهو يتحدث عن إصراره على أن يكون هو، وليس غيره، من يُحدد وقت الحرب ومكانها، فيفهم ان هذا الحديث ليس إلا طمأنة للذات بينما الذات نفسها قلقة، ومدركة لحقيقة أن ساعة الحرب قادمة رغم كلّ التعقُّلات.

بدأت بهذا المثل البعيد – القريب لألفت النظر إلى حقيقة مهمة، سألخصها بلُغة الشارع البسيطة فأقول إن الحرب لا تستأذن حبن تندلع مقدّماتها، وإنما ستفرض نفسها بكل حتمية سواء أرادت القوى السياسية أم لم ترد. وهنا أذكر للقارئ المثل الثاني وهو أن المفكرين الأوربيين فيما قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية كانوا يعرفون أن الحرب قادمة، وأن الساسة الأوربيين هم الذين كانوا يخدعون أنفسهم بعض الوقت ريثما يكونوا قادرين على تصوُّر حجم المقاومة وترتيبها، ومدى قدرتهم على جذب الولايات المتحدة الأمريكية إلى الحرب لتُنقذهم بتطوير الهجوم أو بفتح جبهات جديدة. أنتقل إلى حالتنا المعاصرة فأقول إنني أعرف، كما يعرف الناس جميعا، أن الشارع العربي كله مقتنع تمام الاقتناع أن المصريين لن يُحاربوا إثيوبيا الآن، لأنهم لا يردون ذات الشوكة حسب التعبير القرآني، ولأنهم فقدوا القدرة على الحماس لأي فعل عسكري، ولأنهم أصبحوا يُحسّون بأن العائد من الحروب لا يعود عليهم، وإنما على غيرهم بينما يدفعون هم ثمن مكاسب غيرهم، ويتكفلون بتكلفة تحسُّن الأحوال عند غيرهم، كما حدث في أعقاب حرب أكتوبر 1973 حين ارتفعت أسعار البترول فدفعت مصر والمصريون ثمن تحسُّن الأحوال العربية مرتين متتاليتين، وتتوج نكران فضل السادات بأن تقررت المقاطعة العربية للسادات نفسه، تحت شعارات بدت برّاقة.

على الرغم من هذا كلّه فإن دوافع الحرب المصرية الاثيوبية ودواعي هذه الحرب لن تقبل بتأجيل اندلاع هذه الحرب كثيراً، فالأسباب حاسمة، وقد تبلورت هذه الأسباب بوضوح فيما لم تتطرق إليه المناقشات والمفاوضات التي اقتصرت على فترات ملء الخزان وكفى، ولهذا فليس صعباً ان نتصور ما سوف يحدث عندما يجد الإنسان المصري نفسه عن قريب وهو عاجز عن أن يملأ كوباً من الماء لطفله، ويُجبر على أن يسقي ابنه من ماء البحر المر العسر الأجاج غير المستساغ الذي لا تأتي ماؤه إلا في ساعات محددة من النهار، بينما المياه مقطوعة في بقية اليوم. ويكفي أن نتصور مشاعر المصريين وهم يرون النهر الذي عاش منبعاً للحياة والعطاء الهادرقد تحول في زمن الحضارة إلى خرابات تتطلب من الساكنين على ضفافها العناية بتطهيرها من القاذورات وأكوام القمامة التي تلقى فيها، وتصبح مسكناً للقوارض (من قبيل الفئران) والحشرات (من قبيل الصراصير) والحشرات الطائرة من (قبيل الذباب) وما تنقله كل هذه الكائنات الحية من أمراض. ويكفي أن نتصور حركة السفن السياحية التي توقفت تدريجيا في النيل الذي أصبح مقبرة لها، فأصبحت عاجزة حتى من الخروج منه، لتذهب للبيع، أو العمل في مكان آخر. ويكفي أن نتصور قطاع النقل النهري وقد توقّف تماماً، وقطاع السياحات المحلية والنيلية وقد انتهى تماماً، ومصانع الطوب وموانئ البناء وقد تعطلت، وتحولت إلى خرابات.

هذه أمثلة بسيطة لما سوف يحدث تباعاً، ودون تحديد لوقت حدوثها، وسوف يكون من المستحيل على السلطة في أثيوبيا سواء كان رئيسها حائزاً على جائزة نوبل للسلام أو جائزة أبو ظبي للثقافة الفيسبوكية أن يقدم حلا لها، فتقديم أيّ حل ساعتها سوف يعني توقف سد النهضة عن تشغيل التوربينات، وبالتالي فإنه سيخلُق حالة من التدمير السريع للسودان وجنوب السودان الذي لا يزال غائباً عن الصورة في المفاوضات التي تجري من قبل انفصاله. لن يملك أيُّ سياسي أثيوبي إيقاف عمل السد، حتى لو رأى المصريين يموتون، وإنما تملك الحرب والحرب وحدها بنتيجتها إصدار مثل هذا القرار، وساعتها سيخترع المتفلسفون من المصريين قصة تقول إن من يوازي كيسنجر في ذلك العصر القادم عن قريب هو الذي قال للمصريين لا بد من حرب لتحريك الأمور حتى يُمكنني أن أتدخل بين مصر وأثيوبيا، وعندئذ ستبحث الأرض عمّن يقود حرب تحريك (أو عمّن يقود مسرحية على حد تعبير الموتورين) .. فهذا هو البديل، وإلا فالهلاك قادم من بعد الجفاف.. ومع هذا فإن بعض قراء هذه التدوينة سيقولون إنهم متأكدون من أن المصريين سيُفضّلون الهلاك الحتمي بالتدريج على أن يخوضوا أي حرب مع أن الحرب لا تستأذن لاهي ولا الهزيمة !

تم النشر نقلا عن موقع مدونات الجزيرة

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :ملاحظة هامة: الآراء الواردة في هذا الركن لا تمثل بالضرورة رأي أو توجه هيئة تحرير جريدة الثالثة، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها فقط.