العلم بين «الأصفاد» و«الأصفار»

العلم بين «الأصفاد» و«الأصفار»

د. أحمد عفيفي

2019-11-01T11:33:12+01:00
2019-11-01T11:36:10+01:00
مقالات الرأي
1 نوفمبر 2019
العلم بين «الأصفاد» و«الأصفار»
د. أحمد عفيفي

لقد تحول مصطلح” البلاجياريزم” (Plagiarism) شئنا أم أبينا إلى هاجس يقض المضاجع ويضرب بقوة “الأبحاث العلمية”. إنه المعنى القديم الجديد الذى يرادف “الاستيلاء” على أفكار الغير أو “انتحال” عباراته أو “اقتباس” فقراته أو “سرقة”ألفاظه دون تنويه. ولا يمكن الحديث عن هذا “الاختطاف” أو “الاقتطاف” لغرس الآخرين من الثمار الناضجة، إلا ويطل برأسه مصطلح “الفابريكاشن” (Fabrication) أى “اصطناع” حصيلة علمية أو “اختلاق” نتائج بحثية أو رصدها أو تسجيلها أو تحليلها أو صياغتها. وينضم إلى هذا “الثنائي السيئ”ثالث الأثافى أو “اللغم الثالث” فى بؤر الاشتعال الضارية بالبحث العلمى وهو “الفالسيفيكاشن” (Falsification) الذى يشير إلى “التزوير” أو “التزييف” أو”التلاعب” فى أى من مراحل البحث بدءاً من المواد والمركبات والعينات المستخدمة مروراً بالأجهزة والآلات والمعدات وصولاً إلى خطوات التنفيذ، وكذلك “الحذف” أو “الإضافة” للنتائج المستخلصة. إنها “الثلاثية الشيطانية” التى أصابت فى مقتل منظومة البحث العلمى وجعلت مصر تتسيد الدول الأخرى فى “الفساد العلمي” وتقف فى أعلى سلم هذا السجل المشين.
والمثير للدهشة المشوبة بالامتعاض أن من تذوقوا لحم “البحث الفاسد” وتلذذوا بطعمه المر لا يدركون أن مؤشر PFF (اختصار المصطلحات الثلاثة المذكورة) لا ينحصر فقط فى “السطو” على حقوق الملكية الفكرية لـ”الغير”، ولكنه ينطبق أيضاً على “المؤلف” أو “الباحث” نفسه، حيث إن النقل عن “الذات” أو النسخ من سابقة الأعمال أو نشر “البحث” ذاته فى أكثر من مجلة أو اجتزاء الدراسات الضخمة والعمل على نشرها منفصلة، يعتبر من قبيل “الاستيلاء الذاتي” والتزوير والاختلاق. ناهيكم عن وضع أسماء “مؤلفين” ليست لهم علاقة بالبحث من قريب أو بعيد على سبيل “المجاملة” و”المحاباة”، وكذلك “التحكيم” وما يعانيه من غياب الموضوعية والحيادية والشفافية والمصداقية. لماذا إذاً يلجأ أئمة الفساد وأشباحه إلى إجهاض “البحث العلمي” بهذه الصورة المزرية؟.
لقد أصبحت “أرض” البحث العلمى “للطوفان مشتاقة لعلها من درن تغسل”، كما قال “أبو العلاء المعري” فى وصفه الفساد الذى “ترامت إليه البرايا”. وارتهن البقاء داخل المعادلة الدولية بتطهر المجتمع الأكاديمى وأهله من هذا “العار” والتخلص من “أصفاد” العلم قبل أن يتحول إلى “أصفار” بلا “حصانة أخلاقية”. ولهذا ينبغى أن تتبنى المؤسسات العلمية إستراتيجية جديدة تماماً فى هذه المعركة الشرسة من خلال تطبيق “الرقابة السابقة” (عند تسجيل البحث) و”الرقابة اللاحقة” (عند نشر البحث) حتى ينجو المنتج العلمي النهائى من آفة الفساد البغيضة ويصبح نقياً خاليا من الشوائب المخلة. يتولى أمر هذه “الرقابة” فى كل مؤسسة معنية ما يمكن أن يسمى “مكتب النزاهة العلمية” (Research Integrity Office، RIO) الذى يتحمل مسئوليات عديدة: المشاركة فى النتائج العلمية وملكيتها وإدارتها وتسويقها –  تلقى تقارير المتابعة – منع تضارب المصالح – قياس الاقتباس – التثبت من الترخيص بإجراء البحث (عينات بشرية – عينات حيوانية)  تفعيل التعاون العلمى – عدالة إجراءات المراجعة والتقييم والتحكيم – ممارسة النشر العلمى وتحديد مسئولية المؤلفين – التصدى لسوء السلوك فى البحث العلمى وتعزيز النزاهة العلمية.
إن قلب العلم “المعرفة الدقيقة”.. ولب البحث “أين الحقيقة”؟.. وغاية العلماء صفة “النبلاء” وجزاء “الأنبياء”. أناشدكم أيها “المفسدون فى أرض العلم”.. “لاتحرفوا الكلم عن مواضعه”، فتصبحوا كغثاء السيل أنصافاً للعلماء.. وأشباهاً للباحثين.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :ملاحظة هامة: الآراء الواردة في هذا الركن لا تمثل بالضرورة رأي أو توجه هيئة تحرير جريدة الثالثة، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها فقط.