اعتقال هاجر الريسوني

اعتقال هاجر الريسوني

مصطفى بوكرن

2019-09-04T10:17:56+01:00
2019-09-04T10:18:04+01:00
مقالات الرأي
4 سبتمبر 2019
اعتقال هاجر الريسوني
مصطفى بوكرن

إن الذي يهدد دولتنا المجيدة، ليست السيول، التي تأكل الحجر والشجر والبشر، بل سيول الإشاعة المتدفقة في وديان الفيسبوك. أنصت المغاربة بإمعان، لخطبتي: عيد العرش، وثورة الملك والشعب، وفهموا أن الدولة مقبلة على مرحلة جديدة، عنوانها الكبير: “نحو عقد اجتماعي جديد”. وأول ورش في هذه المرحلة، إبداع نموذج تنموي، يعزز موقع الطبقة المتوسطة، ويخرج الفقراء من الهشاشة والتهميش.

لا يمكن للدولة أن تنجح في أوراشها الكبرى، وهناك جيش من أبنائها في وسائل التواصل الاجتماعي، يختلق أخبارا لا أساس لها من الصحة، للإساءة، وتشويه سمعة الدولة في الخارج، لتكون موضوع تقارير حقوقية، تنجزها المنظمات الدولية، المهتمة بقضايا حقوق الإنسان، فيتشكل رأي عام دولي ضاغط على المغرب.

إلى غاية كتابة هذه السطور، لا يوجد تصريح واحد، من الجهات المختصة، يؤكد اعتقال الصحفية هاجر الريسوني، ويبرر أسباب الاعتقال. كل ما نتابعه، هو سيل التقارير، وحملات التضامن مع الصحافية، وإدانة الأجهزة الأمنية، التي تخالف القانون، ولا تحترم الحياة الخاصة للناس، حسب زعمهم. هناك من ذهب بخياله بعيدا، واتهم الأجهزة، بإبلاغ رسالة تخويف إلى “عائلة الريسوني”، وأشار إلى أخيها: الصحافي سليمان الريسوني، الذي يكتب افتتاحيات تكشف زيف السياسات العمومية، وإلى عمها: الشيخ أحمد الريسوني، الفقيه الذي يكشف زيف الشأن الديني، بين الفينة والأخرى. وهناك من قال: إن المقصود بالاستهداف، ليست هاجر بل سمعة صحفيي “أخبار اليوم”. ابتكر محللو الفيسبوك الإشاعة، وراحوا يحللون أبعاد الاعتقال الخيالي.

كان من المتوقع، أن يخطط الخصوم، لحملات استهداف سمعة الدولة، وهي مقبلة على مرحلة جديدة، حيث شجعت الشباب على ولوج التكوين المهني، وعدم الارتهان لعقدة “الباكالوريا”. والهدف، إعداد يد عاملة مدربة، تجدها الشركات الجديدة، في كامل جاهزيتها، لإنجاح رهان التصنيع، ومحاربة البطالة. لقد اختار الخصوم ابتكار قصة محبكة، تتعلق بالحياة الشخصية للصحافية، وعملوا على إظهار الأجهزة الأمنية، أنها مهتمة “بالأجهزة التناسلية” للمغاربة، أكثر من اهتمامها، بملاحقة سراق المال العام، لاسترجاع الملايير إلى خزينة الدولة.

حين تعلم الشركات الأجنبية المقبلة على الاستثمار، أن الأجهزة الأمنية لا تحترم الحريات الفردية، فإن بعضها على الأقل، سيتوجس خيفة، من الاستثمار في بلاد، لا يحترم حقوق الإنسان، وهذا سينعكس سلبا على النموذج التنموي الجديد. إن هؤلاء الخصوم، لا يريدون للمغرب أن ينجح، بل يريدونه أن يظل في ذيل الدول على سلم التنمية البشرية. سيخترعون قصصا غريبة، حول حقوق الإنسان، فهي الوحيدة، التي تحرض شعب الفيسبوك، ليطلق صيحات التضامن، فيبدو المغرب، كما لو أنه جهاز سري قديم، يلاحق مواطنيه، في أدق تفاصيل حياتهم الشخصية، لإخراسهم، وتخويفهم.

إن الخطر الكبير الذي يواجه الدولة في مرحلتها الجديدة، هو شعب الفيسبوك، الذي له قدرة رهيبة في خلق القصص وتوجيه الرأي العام. ولذلك، فإن خبراء موجهي الرأي العام، في شبكات التواصل الاجتماعي، اختاروا بعناية، التوقيت المناسب، للترويج للإشاعة. هذا التوقيت الذي يصادف، انطلاق وزارة أمزازي، لتطبيق “التناوب اللغوي”، وبدء تحركات الأحزاب، للتشاور حول التعديل الحكومي ، وعودة وزيرة حقوق الإنسان من عطلته الصيفية. والرسالة بحسب هذا التوقيت واضحة: لا “نموذج تنموي” بدون حماية “للحريات الفردية”.

الجميل في الأمر، أن غالبية النخب، وعامة المواطنين، لم يصدقوا الإشاعة، لأن القصة المقترحة، تعوزها الواقعية، والكثيرون قالوا: إنها قصة تشبه فيلما مغربيا يستغبي ذكاء المشاهد، وتساءل أحدهم قائلا: هل من المعقول القبول بتهمة “الإجهاض”؟

تفطن الكثيرون لحقيقة الخبر، الذي يريد النيل من أجهزة الدولة، بإظهارها أنها تلاحق الصحافيين، لا بسبب تقاريرهم، بل بسبب مخالفات قانونية شخصية، لا علاقة لها بالصحافة، لتمنع تضامنا واسعا، وقد يمتد التضامن إلى منظمات دولية، تدافع عن الصحافيين.

لا يمكن أن نصدق ما ينشر في الفيسبوك، بل لابد من ظهور ناطق رسمي تابع للجهات المختصة، في التلفزيون الرسمي، يقول بوضوح: تم اعتقال الصحافية هاجر الريسوني بتهمة “الإجهاض”. أما وإن هذا الظهور لم يتم- لأنه من المستحيل أن تقع هذه الواقعة- فإن المغرب يتهدده “جيش الفيسبوك”، الذي اخترع قصة، تشوه السلطة، وتظهرها جهازا غبيا، يراقب بأسلوب كوميدي، الأحوال الصحية للمواطنين، فيعتقلهم عند باب العيادات الطبية، بتهمة الإجهاض. ليس للدولة من حل، سوى أن تغلق وسائل التواصل الاجتماعي، التي تهدد النموذج التنموي المقبل. إن شعب الفيسبوك أصبح “دولة موازية”، يقتضي التفكيك دون خوف أو تردد، حماية للدولة، وإنجاحا لثورات الملك والشعب المتجددة.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :ملاحظة هامة: الآراء الواردة في هذا الركن لا تمثل بالضرورة رأي أو توجه هيئة تحرير جريدة الثالثة، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها فقط.