الطبقة الوسطى في حاجة إلى “راميد”

الطبقة الوسطى في حاجة إلى “راميد”

محمد أحداد

2019-08-25T16:20:35+01:00
2019-08-25T16:24:41+01:00
مقالات الرأي
25 أغسطس 2019
الطبقة الوسطى في حاجة إلى “راميد”
محمد أحداد

دكُّ الطبقةِ الوسطى ليس وليد اليوم، بل إنه نتاج تراكم طويل من حصار منظم ومخطط له، أدى في نهاية المطاف إلى خلق “كائنات خبزية” تفكر في القروض وفي آخر الشهر. والطبقة المتوسطة في البلدان التي تسعى إلى ترسيخ ممارستها الديمقراطية، تشكل عصب الحياة السياسية والثقافية، أما في المغرب فهي عصب الإصلاحات الضريبية للحكومات المتعاقبة حين تعجز عن مواجهة الشركات الكبرى.
إضراب كليات الطب مايزال مستمرا لأن الحكومة تريد أن تدخل منطق الخوصصة “صحا” وفي تحدٍّ للمواطنين يكاد يكون مفضوحا. حينما حرر بنكيران سوق المحروقات، قال إن الشعب معي، ولم يشتك، بينما لم يحصل حزبه سوى على أكثر من مليون صوت بقليل؛ أما اليوم، فإن أمزازي والدكالي يريدان فرض الخوصصة بقاعدة: اِذهب أنت وربك فقاتلا…
الطلبة الأطباء غادروا قاعات الدروس لأن الوزارة تريد أن تصبح دراسة الطب في المغرب متاحة لمن يدفع أكثر، ولا يهم الاجتهاد والمعرفة والتحصيل والكفاءة والجودة بقدرما تهم الأموال. هؤلاء الطلبة خرجوا إلى الشارع ليس للدفاع عن أنفسهم، بل للدفاع عنا جميعا ضد جشع السلطة وتغوّل المال.
وفي التعليم، أتى أمزازي بأجندة لا تقبل التأجيل: زحف التعليم الخاص، ولم يسأل نفسه: الدول التي تصل إلى مستوى التفكير في إلغاء مجانية التعليم تكون، على الأقل، قد ضمنت تحسن الدخل الفردي للمواطنين وانتعاش المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب الجودة العالية لخدمات التعليم في المدارس العمومية وتوفير بنية لوجستية وإقرار مناهج تعليمية حديثة.
إنها مؤشرات دالة على أنه من بين أهداف الدولة دك الطبقة المتوسطة على جميع المستويات، بل إنها كانت سعيدة وهي تمعن في إضعافها وتجتهد في تحويلها إلى طبقة مشغولة بـ”الكريديات” وتدريس الأبناء وشراء الشقق الاقتصادية وتوفير الحد الأدنى من شروط العيش الكريم، وقد تكون غدا أو بعد غد في حاجة إلى “راميد”، ولم تكن تعلم بأنها تقضي على آخر أمل في بعث الروح في النموذج التنموي الذي أعلن الملك، بشكل رسمي، فشله.
انشغلت الطبقة الوسطى بحسابات الأبناء واحتمالات آخر الشهر ومواضعات الحياة التي فرضتها المدنية الحديثة، بمعنى أن الطبقة التي كان يعول عليها أن تكون طليعية في مواجهة سياسات الإجهاز على التعليم العمومي، وجدت نفسها مضطرة إلى تشجيع التعليم الخاص و”الصحة الخاصة” دون إرادتها.
لقد عبرت أزمة الطبقة الوسطى عن نفسها في حملة المقاطعة الشعبية، والرسالة هذه المرة جاءت من الطبقة الوسطى أكثر مما جاءت من أي جهة أخرى، إذ تحولت دعوات ذات صيت خافت على وسائل التواصل الاجتماعي إلى “أكبر” حملة شعبية تؤثر على صناع القرار الاقتصادي والسياسي، أفضت إلى تراجع جميع الأحزاب السياسية، وجعلت رجال الأعمال الكبار يبحثون عن التفاوض كما لم يحصل من قبل، وتحسس “الرأسمال الجبان” لأول مرة نفسه في مواجهة سلطة “القدرة على عدم الشراء” كما وصفها المفكر المغربي عبد الله حمودي…
المقاطعة الشعبية شكلت زلزالا سياسيا واقتصاديا حقيقيا، لكنه ليس قادما من فوق هذه المرة، بل جاء من “تحت”، إذا جاز توظيف هذا التعبير؛ حيث قادها مواطنون اكتووا بنار غلاء الأسعار. وإلى جانب ذلك، فإن المقاطعة الاقتصادية، التي شملت ثلاثة منتوجات، تتوج مسارا طويلا من النضال ومن التحليل الذي قدمه الأكاديميون والباحثون حول “مأساوية” الزواج بين السلطة والمال وتأثيراته الكارثية على الاقتصاد الوطني وعلى الحريات العامة وعلى الطبقات الاجتماعية الفقيرة.
لولا بعض المقاومة الشعبية لحررت الحكومة من زمان كل القطاعات الاجتماعية ووهبتها للخواص، ولحررت ثمن البوطا وثمن الخبز، وربما خوصصت الهواء، فدرس البنك الدولي الذي يأتي على شاكلة من يبيع القرد ثم يضحك على من يشتريه: خوصص ثم خوصص..

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :ملاحظة هامة: الآراء الواردة في هذا الركن لا تمثل بالضرورة رأي أو توجه هيئة تحرير جريدة الثالثة، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها فقط.