تطوير الملكية والطريق الثالث

تطوير الملكية والطريق الثالث

بلال التليدي

2019-08-19T10:29:31+01:00
2019-08-26T10:05:08+01:00
سياسةمقالات الرأي
19 أغسطس 2019
تطوير الملكية والطريق الثالث
بلال التليدي

لم أكن أعتزم النقاش حول الملكية، ولكن أثارني تعليق خاص للأستاذ النويضي ثمن فيه مقالي السابق، لكنه رأى أني أقترب من الساسي وأبتعد عن بنكيران.
والحقيقة أن تعليقه حفزني على التأمل، فليس هدفي الابتعاد عن الساسي ولا الاقتراب من بنكيران، وإنما القصد بناء تصور يمتلك الحجج التأسيسية وقابل للتحقق وبأقل كلفة.
استشكلت مضامين حوار مستشاري الملك عزيمان والمنوني، فالرأي العام لم يعرف، على الأقل في الآونة الأخيرة، نقاشا حيويا حول الملكية البرلمانية، ولم يرفع مطلب الاقتداء بالملكية الإسبانية ولا الهولندية، لكن الصياغة الحجاجية رجحت لدي أن المقصود ربما الرد على جهة خارجية.
لا يتبرر النقاش إذن بخرجة مستشاري الملك، ولا بتصريح وزير العدل الذي علق الشماعة على “محافظة المجتمع”، واتهم الإسلاميين بإعاقة مهمة تأهيل المجتمع لمواكبة تطور الملكية البرلمانية، إنما يتبرر بمؤشرات تخص الوضع المؤسساتي وانعكاساته على المسار السياسي، فقد لوحظ طوال العقدين السابقين تردد كبير في المسار الديمقراطي.
البعض تخذله مؤشرات الانفتاح السياسي، فينظر إلى تعددية المشهد السياسي والثقافي واللغوي والفني والإعلامي، ويشاهد بعض صور حرية التعبير، فتختلط عليه هذه الصور بمؤشرات الدمقرطة، فلا يدرك أن مؤشرات الانفتاح السياسي لا يمكن أن تكون بديلا عن قواعد الديمقراطية.
لم يخطئ السيد عزيمان التوصيف عندما أكد “أن النظام لم يتغير، وأنه تأقلم مع التحولات”، فالملكية لا تزال تمتلك صلاحيات واسعة، وأخرى أوسع، تستمدها من واقع الديناميات السياسية أو العلاقات المؤسسية.
خلافي مع الأخوين النويضي والساسي، أنهما يحملان تصورا مثاليا للملكية، يعتقدان أنه بالإمكان المآل إليه، في حين أن الصفة التنفيذية للملكية، متجذرة في التاريخ والسوسيولوجيا والوجدان الشعبي، وتستمد من شرعية دينية يصعب هزمها داخليا.
ينتقدنا البعض، ويزعم أن لهذا التوصيف وظيفة إيديولوجية محافظة، لكنه لا يبصر المنطقة التي تفصل الملكية البرلمانية عن الملكية التنفيذية، ويتبلور فيها تصور ثالث واقعي، يمكنه تجاوز إكراهات الدين وتراكمات التاريخ واعتبارات السوسيولوجيا وسيكولوجية الجماهير.
العطب الذي يفسر الوضع المؤسساتي المختل، وتوسع مناطق اللامحاسبة، هو أن العلائق المؤسساتية تنضبط لنصوص دستورية يكتنفها غموض كثيف ينشأ عنه توسع هامش الدينامية السياسية، فتطغى المؤسسات على بعضها، فيحاسب الذي لم يأمر، ويأمر الذي لا يحاسب.
لقد أبدع دستور 2011 حين اتجه لتحديد بعض الوظائف الحصرية للملك، لكن في الجهة المقابلة، لم يقع شيء من ذلك بالنسبة للمؤسسات الأخرى، فباستثناء معيار الفصل بين المجال الاستراتيجي وغير الاستراتيجي، الذي بموجه تفرز صلاحيات المجلس الوزاري عن صلاحيات المجلس الحكومي، لم يتوسع البعد التمييزي الوظيفي في الدستور، فأضحت الملكية تدخل تفاصيل السياسات الحكومية، وأضحت الحكومة غير قادرة على التصرف من غير تعليمات ملكية.
الملكية تتمتع بقوة دفع تاريخية مؤثرة، والتجربة الديمقراطية الناشئة أو المترددة في المغرب تحتاج لتثوير ثقافي مجتمعي من تحت وفوق، وليس من العقل ولا الحكمة التضحية بأي رصيد لجهة بناء رصيد آخر غير مضمون الفعالية في قوة دفعه.
لكن في المقابل، ثمة حاجة للتفكير العميق في تطوير الملكية، بالحفاظ على قوة دفعها، وفي الآن ذاته، تقوية التوجه نحو الديمقراطية، وما يستلزمه ذلك من جعل الإرادة الشعبية ذات انعكاس فعلي على السياسة.
النخب السياسية معنية بشكل كبير بالتفكير في صيغة تحفظ الرصيدين، كما أن ثمة حاجة إلى إنهاء حالة الشك المتبادلة وتجاوز معادلة (السياسة تمر من جسر بناء الثقة)، فقد تداولت نخب كثيرة، ولم تبن الثقة، وسقطت التجارب، وبقيت الملكية، ولم يتقدم المغرب في مسار الدمقرطة.
النخب معنية بالتفكير في توسيع المفهوم التمييزي الضابط للعلاقة بين المؤسسات، ومعنية بالتفكير في صيغة تحفظ لوازم من الصفة التنفيذية للملكية لاستثمارها كقوة دفع ضرورية لإنجاز أي تقدم في البلاد، ومعنية في الآن ذاته، بالتفكير في صياغات دستورية مغلقة تحمي الإرادة الشعبية من أي التفات عليها، وذلك حتى تتحرر الملكية من رهانات النخب المهيمنة، ويبقى تشكيل الحكومة وتعديلها أمرا مرتبطا بالإرادة الناخبة وثقلها.
الأفق الممكن لتطور الملكية، أن يتم المحافظة على لوازم من صفتها التنفيذية، اعتبارا لوظيفتها الجامعة والتحكيمية، وما يفرضه ذلك من مؤسسات ومجالات ترعاها لتقوية هذه الوظائف، وأن يتم الاتجاه لفتح السياسة، والرهان على الإرادة الشعبية في إنتاج النخب وتحميلها مسؤولية بلورة السياسات العمومية وتنفيذها.
بين الملكية التنفيذية والملكية البرلمانية، ثمة صيغة ثالثة آمنة لتطوير الملكية، تخرج البلاد من دائرة التردد، وتضمن سلاسة الانتقال إلى الديمقراطية، وتؤسس لاستثنائية حقيقية .

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :ملاحظة هامة: الآراء الواردة في هذا الركن لا تمثل بالضرورة رأي أو توجه هيئة تحرير جريدة الثالثة، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها فقط.