المغرب: الدولة بين معضلتين

المغرب: الدولة بين معضلتين

بلال التليدي

2019-08-09T11:34:42+01:00
2019-08-09T12:44:30+01:00
مقالات الرأي
9 أغسطس 2019
المغرب: الدولة بين معضلتين
بلال التليدي

بلال التليدي

منذ انتخابات 2007، طرح لدى الدولة في المغرب سؤال التوازن السياسي. فاعل سياسي ينتمي للإسلاميين تتوسع شعبيته، وتقدم المؤشرات الرقمية تجاوزه للقوى الوطنية الإصلاحية التي خاضت مع الدولة تفاوضاً سياسياً لإفراز تجربة التناوب السياسي، فقد حصل في انتخابات 2002 على مراتب جداً متقدمة (42 مقعداً)، ولم تؤثر تداعيات أحداث 16 مايو 2003 الإرهابية في فعاليته السياسية رغم سياسة التضييق التي خضع لها، لتتوالى استطلاعات الرأي المطردة، مؤكدة احتمال تصدره لانتخابات 2007.


سؤال الدولة المحوري تمركز وقتها على وجود فاعل سياسي قادر على إحداث التوازن السياسي، فكانت تجربة «حركة لكل الديمقراطيين» التي أفرزت فيما بعد حزب الدولة «الأصالة والمعاصرة».


لننتبه أولاً إلى ملاحظة أساسية، فالذي تولى مهمة تنفيذ هذه الصيغة هو شخص مقرب من الملك، وممسك بملف الانتخابات في وزارة الداخلية. البعض استرسل في تحليل هذه الملاحظة، واعتبر أن صفة القوة والقرب أساسية لإحداث تحول مفصلي في مشهد سياسي يتميز بثقل حضور الدولة، وأن شخصية فؤاد عالي الهمة هي التي تستطيع أن تحدث هذه الحلحلة، وتفرض إيقاعها على الجميع، لا سيما الأعيان الذين قد تتضارب مصالحهم مع مصالح الدولة. لكن أحداً لم يلتفت إلى ملاحظة أخرى، كون الدولة، وهي الحريصة على طول مسارها السياسي على الحياد، ولو ظاهرياً، قد ضحت بهذا المبدأ حين أخرجت وزيراً منتدباً بصفة القوة والقرب للقيام بهذه المهمة. التضحية بهذا المبدأ يعني في الجوهر أن اختلال التوازن السياسي قد تضخم بشكل كبير في مزاج الدولة، إلى درجة فقد الثقة في السياسيين الموجودين في الساحة للقيام بدور ما، وأن الدولة تحتاج للدخول بثقلها للعب إلى جانب الفاعلين السياسيين، أي، رجل داخل حقل الفعل السياسي، ورجل أخرى في مواقع الحياد المؤسساتي.


البعض يعتقد أن هذه التجربة عملياً مع حراك 20 فبراير2011، واضطرار الدولة لإخراج فؤاد عالي الهمة من الحقل السياسي، وإدخاله إلى مؤسسة الاستشارة الملكية، لكن واقع الأمر يؤكد بأن هذه العملية لم تنته إلا مع انتخابات السابع من أكتوبر 2016، حينما تم الإعلان عن تصدر العدالة والتنمية نتائج الانتخابات، دون أن تؤثر على شعبيته سلباً تجربته الحكومية السابقة. تعمق سؤال التوازن السياسي، في ظل غياب فشل إستراتيجية الدولة في الاستثمار السياسي من داخل الحقل السياسي، ثم عدم وجود منافسين مفترضين، جعل الخيار يضيق بشكل كبير، ويتجه إلى منحى آخر، والاستثمار في الإضعاف الداخلي للعدالة والتنمية بدل محاولة إضعافه داخل الحقل السياسي بإيجاد منافسين له.

بيد أن هذا الخيار، الذي نجحت بعض تكتيكاته، أفضى إلى إنتاج معضلة أخرى ترتبط بإضعاف الحقل السياسي، وعدم قدرته على القيام بوظيفة الوساطة، إذ أفضى إعفاء بنكيران، والانزياح الديمقراطي، بتدخل الدولة في توجيه مساره عكساً على إرادة الناخبين في حكومة العثماني، إلى عودة السياسة إلى مربع ما قبل الحراك، وتعطيل الإشعاع الذي شكله دستور 2011، ونسف أطروحة الاستثناء التي تميز بها المغرب في الوقت الذي كان يعيش جيرانه مخلفات الربيع العربي وارتباكات وتعثرات تدبير مرحلة الانتقال الديمقراطي. لم يهدأ سؤال التوازن السياسي، لكن، أضيف إليه سؤال آخر يرتبط بمواجهة الطلب الاجتماعي المتفجر، وعجز منظومة الوساطة عن تجنيب الدولة وأجهزتها مسؤولية الاحتكاك المباشر بالجمهور.


انفعلت الدولة أولاً، فلعنت الأحزاب، ثم انتهى بها الأمر للتصالح معها، واستنهاض همتها لمواجهة معضلة تستهدف استقرار الدولة والمجتمع معاً، وهي فشل نموذج تنموي لم يستطع أن تصل عائدات نموه للشرائح المقصية والمهمشة والفقيرة. هي معضلة معقدة، بحكم أن مدخل السؤال الأول ينتهي عند مدخل السؤال الثاني، ومدخل الثاني يفضي إلى الأول، إذ كيف يمكن تحقيق توازن سياسي دون إضعاف حكومة وانزياح ديمقراطي يفضي إلى ضعف المؤسسات وفقدان الثقة فيها وضعف منظومة الوساطة، وتفجر حراك اجتماعي بزعامات شبابية، تلعن الأحزاب وتلعن دكاكينها السياسية، وكيف يمكن تحقيق عدالة شاملة وتوزيع عائدات النمو على الفئات المهمشة دون مسار ديمقراطي قوي وحكومة تعكس إرادة الناخبين؟ معضلة السؤالين المترابطين في المداخل والمخارج، تأخر الجواب عنها إلى خطاب العرش الأخير، الذي طرح فكرة تشكيل لجنة خاصة لبلورة المشروع التنموي الجديد الذي ستعم بركاته الجميع، وضرورة تعديل الحكومة بإدخال كفاءات جديدة تعكس نخباً جديدة قادرة على مواكبة المرحلة الجديدة التي سينخرط فيها المغرب.


تركيبة الجواب تقول إن الحضور الأقوى كان للسؤال الثاني، وهو ما يعكس درجة استشعار الدولة لخطورة الحراك الاجتماعي، ومحددات اشتعاله في المراحل القادمة، إن لم يتم تدارك الأمر، لكن الواقع يؤكد بأن السؤال الأول كان حاضراً بنفس القوة وربما بدرجة أكبر، إذ ما الغاية من الحكومة إن كانت بلورة نموذج تنموي، بخلفياته المالية والنقدية والاقتصادية والاجتماعية، ستتم من خارجها ومن خارج برنامجها أيضاً؟ وما الفائدة من برامج الأحزاب؟ بل من الأحزاب كلها إن كانت المشاريع ستصنع داخل لجنة لا تتمتع بأي تمثيلية شعبية سوى ما كان من تقدير الدولة لتغطيتها للحساسيات الفكرية والأكاديمية المجتمعية؟ ليس المهم هنا هو السؤال الدستوري، وما إذا كان السلوك السياسي للدولة يتجه نحو تعطيل المقتضيات الدستورية أو إضعاف المؤسسات، واستثمار النخب للديناميات التي تحكم العلاقة بين المؤسسات لتحقيق هذه الأهداف غير الدستورية، وإنما السؤال مرتبط بالبعد السياسي، أي المآل الذي ستنتهي إليه هذه الديناميات ومزاج الجمهور اتجاه حكومة أفرزتها انتخابات السابع من أكتوبر التي أعطى فيها الناخبون صوتهم لحزب العدالة والتنمية، ليجدوا أنفسهم في نهاية المطاف أمام حزب فقد كل صلاحياته في قيادة الحكومة لجهة تنفيذ مخرجات لجان تعينها الدولة وتكون حاكمة على أدائها.


سؤال التوازن السياسي سينتهي عملياً لجهة إنهاء مسار تشكيل الحكومة عبر صناديق الاقتراع، فالحكومة لا تهم، ما دام تعديلها أمراً ممكناً دائما، وباعتبارات لا ترتبط بالمطلق بالاقتراع الانتخابي، وبرنامجها لا يهم، ما دامت هناك لجان معينة تبلور المشاريع، وتلزمها بتنفيذها، بل حتى رموزها السياسيون لم يعد لهم قيمة، ما دام الطلب على تكنوقراط يمتلكون عقلية التنفيذ أكثر من عقلية التساؤل حول دستورية أو قانونية السلوك السياسي للدولة.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :ملاحظة هامة: الآراء الواردة في هذا الركن لا تمثل بالضرورة رأي أو توجه هيئة تحرير جريدة الثالثة، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها فقط.