القرضاوي: خلاصة الرسالات السماوية جميعاً في «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ»

القرضاوي: خلاصة الرسالات السماوية جميعاً في «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ»

الدكتور يوسف القرضاوي يكتب

2019-05-11T10:13:00+01:00
2019-05-11T10:13:04+01:00
ثقافةمقالات الرأي
11 مايو 2019
القرضاوي: خلاصة الرسالات السماوية جميعاً في «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ»
الدكتور يوسف القرضاوي

لا يشفع أحد في يوم الدين إلا بإذنه، لا نبيّ ولا ملك، «وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى» [النجم: 26]، وقال تعالى عن الملائكة: «وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ» [الأنبياء: 28]، وقال في آية الكرسي: «مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ» [البقرة: 255].
أما الأصنام التي اتخذوها آلهة، وزعموا أنها ستشفع لهم عند الله، فقد قال الله تعالى: «وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا» [مريم: 81-82].
القاعدة الخامسة: حقيقة التوحيد إفراد الله تعالى بالعبادة والاستعانة:
«إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» [الفاتحة: 5]، وهذه خلاصة الرسالات السماوية جميعاً، عقيدة التوحيد تحرر الإنسان من العبودية لكل ما سوى الله، من العبودية للطبيعة، والعبودية للحيوان، والعبودية للجن، والعبودية للبشر، والعبودية للحجر، والعبودية لهوى النفس، والعبودية لأيّ طاغوت عبده الناس من دون الله.
إفراد الله تعالى بالعبادة والاستعانة به وحده لا شريك له، فلا يُتوجّه بالعبادة إلا إليه، ولا يستعان -خارج الأسباب المعتادة- إلا به سبحانه «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ»، وإفراد الله -عز وجل- بالعبادة والاستعانة هي حقيقة التوحيد، فلا عبادة إلا له، ولا استعانة إلا به تبارك وتعالى، وفي الحديث الصحيح: «استعن بالله ولا تعجز».
فلا يستحق أن يخاطب بتخصيص العبادة إلا هو، ولا يخصص بالاستعانة به إلا هو، والعبادة: أن تجعل له غاية الخضوع والذل، المقترن بغاية الحب والولاء له، فالعبادة مركبة من عنصرين اثنين: منتهى الخضوع له، ممزوجاً بمنتهى الحب له سبحانه، فلو وُجد خضوع من غير حب لم يكن عبادة، كما قد يخضع بعض الرعية لبعض الجبّارين، ويحنون لهم رؤوسهم في غاية من الذل، ولا يُعدون عابدين لهم، لأنهم لا يحبونهم، بل يبغضونهم ويلعنونهم في قرارة أنفسهم، وقد يحب بعض الناس رجلاً أو امرأة، وينزل حبه في شغاف قلبه، ولا يُعد عابداً له، لأنه لا يخضع له غاية الخضوع.
وجملة «إِيَّاكَ نَعْبُدُ» تمثّل توحيد الألوهية، أو توحيد العبادة، وجملة «وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» تمثّل توحيد الربوبية، وأُفضّل تسميته «توحيد الخالقية»، ولا بدّ من التوحيدين.
وقد يعترف الناس بتوحيد الخالقية ولا يعترفون بتوحيد العبادة، مثل عرب الجاهلية، الذين أقرّوا بأن الله رب كل شيء، ومع هذا عبدوا الأصنام ليقرّبوهم إلى الله زلفى، وقالوا: «هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ» [يونس: 18]، والقرآن يأمر بتجريد التوحيدين جميعاً لله، كما قال تعالى: «رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ» [الممتحنة: 4]، أي: لا نتوكل إلا عليك، ولا ننيب إلا إليك، كما قال شعيب عليه السلام: «وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ» [هود: 88]، وكما أَمر رسوله محمداً -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ» [هود: 123].
“إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ” قدّم العبادة لأنها الغاية، والاستعانة وسيلة إليها، وليس معنى تخصيص الله بالاستعانة الاستغناء عن الخلق جميعاً، بل هو يرد على الذين يستعينون بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، كالذين يستعينون بالأصنام والكهنة وأمثالهم.
وقوله: “وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ” يرد على الجبرية الذين نفوا كل قدرة أو إرادة للإنسان، لأن الذي يستعين لا بد أن يكون له جهد، ولكنه يحتاج إلى معونة غيره، ولهذا أمر الله المؤمنين أن يتعاونوا على البر والتقوى.
إنما حقت الحاقَّة، ووقعت الواقعة، وبُعث الرسل، وأُنزلت الكتب، لإقامة التوحيد في الأرض، جاء كل نبي وكل رسول يدعو قومه أول ما يدعو: “يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ” [الأعراف: 59]، إنما فسدت الحياة وفسدت الأديان قبل الإسلام بدخول الشرك فيها، فلا بد من إعلان التوحيد

عن العرب القطرية

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :ملاحظة هامة: الآراء الواردة في هذا الركن لا تمثل بالضرورة رأي أو توجه هيئة تحرير جريدة الثالثة، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها فقط.