استقلال بطعم التبعية اللغة والثقافة نموذجا

استقلال بطعم التبعية اللغة والثقافة نموذجا

عبد المولى المروري

مقالات الرأي
11 مايو 2019
استقلال بطعم التبعية اللغة والثقافة نموذجا

دام استعمار فرنسا للمغرب من تاريخ توقيع معاهدة الحمابة سنة 1912 إلى تاريخ “استقلاله” زهاء 44 سنة. ومن تاريخ هذا “الاستقلال” إلى اليوم نكون قد بلغنا 63 سنة، وهي مدة تجاوزت مدة خضوع المغرب في اليد الاستعمارية. فهل حقق المغرب استقلاله الفعلي أم ما يزال يعيش حالة من حالات الاستعمار؟إن الفترة التي حصل فيها المغرب على استقلاله هي فترة تحرر معظم الشعوب والدول المستعمرة من الاستعمار الأجنبي، سواء في إفريقيا أو آسيا.. وبالتالي كان ذلك في سياق تحول دولي ارتبط بظهور حركات التحرر والانعتاق في العالم، ورغبة الدول الأوربية المستعمِرة من التخلص من التكلفة الثقيلة للاستعمار؛ عسكريا وماليا وسياسيا.. وما يخلفه ذلك من خسائر في أرواح المستعمِرين واقتصادياتها وصورتها الكولونيالية في المنتظم الدولي الذي أصبح ينبذ الاستعمار، لذلك عمدت أهم دولتين استعماريتين في ذلك الوقت – فرنسا وبريطانيا – على بناء أسس التبعية في كل الدول المحررة على عدة مستوايا، اقتصادية، قانونية، سياسية، إدارية، وأخيرا والأخطر من كل ذلك التبعية اللغوية والثقافية..فالعين لا تخطئ أن في المغرب مئات الشركات الفرنسية التي تنشط اقتصاديا، ويعتبر المغرب بالنسبة لها ليس سوقا لبيع منتوجاتها فحسب، بل ملحقة اقتصادية وتجارية، وأكبر دليل على هو أزمة الساعة وشركة رونو..وقس على ذلك أن معظم قوانيننا نقتبسها من القوانين الفرنسية، وكذا النظام الإداري التابع كلية إلى النظام الإداري الفرنسي..ورغم أن هذه التبعية المقيتة لفرنسا في كل المجالات التي ذكرت إلا أنها تظل أقل خطورة بكثير من التبعية اللغوية والثقافية.فإذا كانت التبعية الاقتصادية تفقدك قرارك وسيادتك الاقتصادية والسياسية، فإن التبيعية الثقافية واللغوية تفقدك هويتك ووطنيتك وحضارتك ..لقد نجح الاستعمار الفرنسي – رغم المدة القليلة التي قضاها في المغرب – أن يزرع في عقول المغاربة أن اللغة الفرنسية هي الوحيدة الكفيلة بتحقيق التنمية والتقدم، وبالمقابل، فإن اللغة العربية هي ما يعيق تقدم البلاد.. وصنع الاستعمار الفرنسي حراسا فرونكفونيين يدينون بالولاء المطلق لفرنسا من أجل تكريس هذا الاعتقاد والإيمان به على أساس أنه هو الصواب والحقيقة التي لا يأتيها الباطل، وفعلا نجحوا في ذلك!!فإلى جانب أن جل وثائقنا الإدارية ومعظم الوزارات والإدارات تعتمد اللغة الفرنسية في التواصل والمراسلات .. فإن أعظم بلاء هو ما أصاب ويصيب حاليا جسمنا التعليمي الذي لم يسترجع بعد عافيته لا على مستوى المناهج والمقررات ، ولا على مستوى تكوين المدرسين، ولا على مستوى الجودة التعليمية، وثالثة الأتافي هي حالة التيه والارتباك التي دخلها بسبب لغة تدريس المواد العلمية..إلى عهد قريب، وأمام الحملة الوطنية التي شنها العديد من المغاربة المخلصين للغتهم العربية ضد تدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية، استبشرت خيرا، واعتقدت أن هناك جيلا وطنيا مستعدا للدفاع عن لغته العربية ويفضل أن يدرس أبناؤه المواد العلمية بلغته الوطنية وليس باللغة الفرنسية.. فإذا بي استفيق على حالة من انفصام شخصية هذا المجتمع، بين الدخول في حملة مناهضة اللغة الفرنسية، والبحث لأبنائهم عن مؤسسات تعليمية تدرس العلوم باللغة التي انخرطوا في مناهضتها..لقد استطاع الاستعمار الفرنسي أن يقنع فئة عريضة من مغاربة هذا الجيل أن اللغة الفرنسية هي لغة العلم والحضارة والرقي، وبدونها لن تكون لنا نهضة أو تنمية.. ونجح في زرع نظرة الدونية والنقص عند أولائك الذين لا يستطيعون التحدث بها بطلاقة.. وانتشر بين الأسر والأصدقاء داء التباهي والتفاخر بالتحدث بها، والتسابق نحو المدارس التي تعتمدها كلغة أولى في التدريس.أيقنت خلالها أن الاستعمار الفرنسي ما يزال حيا في أوصال هذا الوطن، ويسكن في أخطر مكان عند المغاربة، وهو العقل والوجدان.. بل وأرهبهم وأقنعم بمركزية اللغة الفرنسية إلى درجة أنه لا نجاح لأبنائهم ولا حياة ولا مكان لهم في المستقبل بدونها.لا أريد أن أكرر ما كتبته سابقا حول تخلف اللغة الفرنسية  أمام العديد من اللغات، وعلى رأسها اللغة العربية، وأنها آخذة في الانكماش والانقراض.. ولكن ما يؤلمني هو أن هذا الشعب ما يزال يجهل مصلحته الحقيقية، واختار الجهة الخاسرة في اختياره، ولو اختار اللغة الأنجليزية لكان له عذر مقبول بسبب سعة انتشار هذه اللغة عالميا، إضافة إلى أنها تعتبر حاليا اللغة الأولى علميا وتواصليا..الشعب الذي يفضل لغة تنقرض وتنكمش على لغة حية أخرى، ويجعل ذلك معيار اختياره وأساس قراره، هو شعب لا يزال بعيدا عن إدراك مصلحته.الشعب الذي يرهن مستقبله ومستقبل ابنه في لغة آخذة في التخلف – بشهادة أصحابها الفرنسيين – هو شعب يحتاج إلى المزيد من النضج الفكري حتى يستطيع أن يميز بين ما يضره وما ينفعه..الشعب الذي يرى نجاحه ومستقبله بالاعتماد على لغة المستعمر هو شعب لم يتحرر بعد، وينادي بوعي أو بغير وعي بعودة الاستعمار ليأخذ بزمام الوطن.عندما يكون التفاخر والتباهي بلغة متخلفة، عدد  الدول التي تتحدث بها لا تتجاوز العشر، فاعلم أننا أبعد ما نكون عن تحقيق النهضة المنشودة والتحرر الحقيقي. تحرر من لغة المستعمر .. تحقق حريتك الفكرية واستقلالك الثقافي .. والباقي كله يسير .

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :ملاحظة هامة: الآراء الواردة في هذا الركن لا تمثل بالضرورة رأي أو توجه هيئة تحرير جريدة الثالثة، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها فقط.