99% من المصريات يتعرضن للتحرش.. ما الذي أوصل المجتمع إلى هذه الحالة؟

99% من المصريات يتعرضن للتحرش.. ما الذي أوصل المجتمع إلى هذه الحالة؟

مجتمع
5 يناير 2020

حالة من الجدل المصحوب بالصدمة خيمت على الشارع المصري مع الساعات الأولى للعام الجديد، وذلك في أعقاب تداول مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو لواقعة تحرش جماعي بإحدى الفتيات خلال احتفالات رأس السنة في مدينة المنصورة (شمال).

الفيديو الذي انتشر بصورة هائلة بعد دقائق معدودة من نشره أظهر عشرات الشبان وهم يتحرشون لفظيًا وجسديًا بتلك الفتاة، وسط صراخها وتدافع كبير للناس، كما تبين من الفيديو وجود عدد من الشبان الذين هرعوا للإحاطة بالفتاة لحمايتها، ومن ثم دفعوها داخل سيارة لمغادرة المكان.

انقسام حاد على منصات السوشيال ميديا بشأن تفسير تلك الواقعة، ففريق يرى أن ملابس الفتاة كانت السبب الرئيسي وراء تعرضها لما تعرضت له، فيما ذهب آخرون إلى أن الشروخات التي أصابت المظلة القيمية والأخلاقية للمجتمع هي المسؤول الأول عن تلك الجريمة، بينما ألمح فريق ثالث إلى أسباب أخرى أكثر عمقًا وإن لم تكن ذات علاقة مباشرة بالواقعة.

لم تكن تلك واقعة التحرش الأولى التي تشهدها الشوارع المصرية خاصة بعدما باتت تلك السلوكيات ظاهرة عامة تنشط مع المناسبات الاجتماعية والقومية والدينية، غير أن تفاصيل المشهد الذي تناقلته المقاطع المصورة أعاد هذا الملف مجددًا لساحة المحاكمة المجتمعية.. فما الذي أوصل المصريين إلى هذه الحالة؟

القاهرة الأخطر عالميًا

في تحقيق أجرته مؤسسة “تومسون رويترز” شارك فيه خبراء بشأن إجراءات حماية النساء من العنف الجنسي والعادات الثقافية والاجتماعية المضرة، وبشأن حقوقهن في العلاج واستقلالهن المادي، احتلت القاهرة إحدى المراتب الأولى عالميًا في معدلات التحرش والخطورة على النساء، وذلك من بين قائمة شملت 19 مدينة كبيرة (10 ملايين نسمة على الأقل).

فرضت العاصمة المصرية نفسها كمدينة غير آمنة على النساء منذ 2011 وحتى الآن، وذلك بعد وقوع العديد من الاعتداءات الجنسية العنيفة سواء داخل ميدان التحرير إبان ثورة يناير أم بعد ذلك وفق ما وثقته المؤسسة من شهادات نساء تعرضن لأنواع عدة من التحرش، اللفظي منه والجسدي.

وبحسب الخبراء تتعرض النساء في القاهرة للتحرش يوميًا طيلة السنوات التسعة الماضية، في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية وارتفاع نسب البطالة وما ينجم عنها من دفع المرأة للعمل لكسب استقلالهن المادي، إضافة إلى أعداد كبيرة من الرجال المحبطين والعاطلين عن العمل لا سيما الشباب.

المؤسسة نقلت عن إحدى مؤسسات “مؤسسة الذاكرة والمرأة” (منظمة غير حكومية تسعى إلى تحسين وضع المرأة العربية) أميمة أبو بكر، قولها: “تردى الوضع الاقتصادي في السنتين أو الثلاث الأخيرة إلى درجة أننا شهدنا انتكاسة فكرية تقضي بأن شؤون المرأة ليست أولوية”.

في تقرير للأمم المتحدة قبل عدة أعوام كشف أن 99.3% من الإناث يتعرضن للتحرش والعُنف الجنسي في شوارع ومُدن مصر

فيما أرجعت الصحفية والناشطة الحقوقية شهيرة أمين، تفشي هذه الظاهرة إلى أن “كل شيء في المدينة صعب على النساء، نرى النساء تكافحن في جميع الجوانب، حتى فسحة بسيطة في الشارع قد تعرضهن لخطر التحرش، سواء كان لفظيًا أم حتى جسديًا”.

وفي 2014 سجلت مجموعة تدعى “كرامة بلا حدود” فيديوهات يتحدث فيها أطفال المدارس في القاهرة عن التحرش. يفسر الأولاد في التسجيل كيف تجلب الصبايا “المعاكسات” لأنفسهن، أما البنات فبدأن بشرح الضيق الذي يخلفه التحرش، لكن صرن في آخر الفيديو يعددن الوضعيات التي “تتسبب” فيها الفتيات في إفراز سلوك غير مرغوب فيه.

مؤشرات كارثية

المؤشرات الأممية في هذا الإطار مزعجة للغاية، وتثير حالة من الهلع لما وصلت إليه معدلات التحرش في مجتمع محافظ بطبيعته، ففي تقرير للأمم المتحدة قبل عدة أعوام كشف أن 99.3% من الإناث يتعرضن للتحرش والعُنف الجنسي في شوارع ومُدن مصر، وهو ما يعني أن العُنف الجنسي يكاد يطول كل الإناث في مصر تقريبًا.

هذه المؤشرات تؤكدها التقارير الصادرة عن المؤسسات الحقوقية داخل مصر وخارجها، التي تظهر الازدياد الملحوظ لوتيرة العُنف الجنسي ضد النساء مع توقعات باستمرار ازدياده خلال السنوات المُقبلة، ففي المستقبل القريب قد تصبح المُدن المصرية مكانًا غير آمن للإناث تقريبًا.

التقارير وفي قراءة سريعة للخريطة الديموغرافية والاقتصادية والفكرية للمدن المصرية تشير إلى أن تلك المدن، لا سيما الكبرى منها، يبدو كأنها مرشحة للانفجار في أي وقت، في ظل الأعداد المليونية المتصارعة على مساحة ضئيلة جدًا من العيش، وسط تردٍ ملحوظ في مستوى الخدمات الصحية والتعليمية والبنية التحتية.

ففي دراسة بعنوان “استباحة النساء في المجال العام” نشرتها “الجزيرة” خلصت الباحثتان هند زكي وداليا عبد الحميد إلى أن “العُنف المُتزايد ضد النساء في المجال العام لا يجب أبدًا فصله عن نجاح النساء في اختراق فضاءات عامة جديدة، فالنساء بداية من 2011 نجحن في اقتناص حق التظاهر والتجمع السلمي كأحد أهم حقوقهن السياسية والمدنية، والهجوم الجنسي عليهن بهذه الطريقة – هو في جزء كبير منه – محاولة لطرد النساء من هذه المساحة لإعادة النساء وإرجاع المجتمع كله إلى حدود ما قبل 2011”.

الدراسة وضعت تفسيرًا لتفشي هذه الظاهرة، مرجحة أن يكون جزءًا من حركة عنيفة أكبر ترفض الإجابة عن السؤال الذي مثله حضور الفتيات والنساء في الشوارع والمساحات خلال الثورة والمظاهرات والاعتصامات، السؤال الذي تحتاج إجابته إلى رؤية جديدة للحيز العام في مصر، والثقافة السياسية وعلاقات السُلطة التي تحكمه.

إيمان ذات الـ25 عامًا، التي تعمل في إحدى الشركات بوسط القاهرة، توضح في حديثها لـ”نون بوست” أن تحميل الملابس وحدها مسؤولية انتشار هذه الظاهرة تبرير في غير موضعه، لافتة إلى أنها حتى في شهر رمضان، وحين ترتدي عباءة واسعة أو حتى إسدال صلاة تتعرض للمعاكسات والتحرش اللفظي.

وتابعت: لم يكن ما أتعرض له يوميًا حكرًا عليّ وفقط، ففي الشركة التي أعمل بها ما يقرب من 13 فتاةً، جميعهن يتعرضن لهذا النوع من المضايقات اليومية التي ما عادت تؤثر علينا”، واختتمت حديثها “خلاص خدنا على كده”.

وبنبرة يكسوها الألم وصفت شروق ما تتعرض له من مضايقات بأنها تشعر أنها في “غابة”، فالكل، شباب وكبار، تحولوا إلى حيوانات، ذئاب بشرية لا ترى أنثى إلا وتنقض عليها، المحترم منهم من يتوقف عند حاجز المعاكسة اللفظية فقط، أما الغالبية فأياديهم ونظراتهم تسبق ألسنتهم على حد قولها.

اهتمام الدولة بالأفكار والأمن السياسي على حساب أمن الأفراد أي أمن المجتمع، أهم أسباب المشكلة

شروق التي تعمل مدرسة في إحدى المدارس الخاصة بمدينة الجيزة، تضيف في شهادتها لـ”نون بوست” أن فكرة النزول من البيت باتت مغامرة كبرى محفوفة بالمخاطر، فالشارع لم يعد كما كان، وتابعت: “كنا قديمًا نمشي في الشارع بمنتهى الأمان والأريحية، وكان الشاب حين يرانا يدير وجهه إلى الناحية الأخرى، أما اليوم فالعين تخترق كل مكان في الجسد حتى أبناء المنطقة أنفسهم.. نعيش في رعب”، هكذا أضافت.

التحرش لم يكتف عند حاجز المارة في الشارع والميادين العامة وفقط، بل انتقل إلى زميلات العمل أنفسهن، وهو ما توثقة شهادات عشرات الفتيات اللائي تعرض للتحرش من مديرينهن أو زملائهن في العمل، الأمر الذي أحدث ضجة خلال الأشهر الماضية، حيث تصاعدت مطالب توفير بيئة آمنة للعمل للنساء المصريات.

“أمان مفقود” اسم لفيلم وثائقي يرصد قصص خمس صحفيات مصريات تعرضن للتحرش الجنسي، تظهر ثلاثة منهن في الفيلم، تعرضت إحداهن للتحرش من رئيسها في العمل فدخلت في نوبة اكتئاب، وتعرضت أخرى للتحرش من مصدر، فاختارت اعتزال المهنة، فيما تعرضت ثالثة للتحرش من زميلها المصور، فتركت العمل كمصورة ميدانية.

الكاتبة الصحفية حنان فكري، عضو مجلس نقابة الصحفيين المصرية السابقة، تشير إلى أنها حين كانت عضوة بالمجلس قبل أربعة أعوام كانت تأتيها الكثير من الشكاوى من صحافيات سواء كن فتيات أم سيدات متزوجات مطالبات إياها بالتدخل ولكن “من دون شكوى رسمية أو ذكر الواقعة لأنهن يبحثن عن لقمة العيش ويخافن عليها”، لافتة إلى أن المجتمع الصحافي هو “مجتمع أصغر يعبر عن المجتمع الأكبر”.

بعيدًا عن التأويلات التقليدية لتفشي تلك الظاهرة، بدءًا بتراجع مستوى الأخلاقيات المجتمعية، وابتعاد الأسرة عن دورها القيمي، بجانب قلة الواعز الديني لدى الشباب في ظل موجات مكثفة من الميديا والدراما التي تعزف على وتر الجنس والبطلجة، هناك تفسيرات أخرى أكثر عمقًا.

أستاذ علم النفس بالمركز القومى للبحوث الإجتماعية والجنائية، الدكتور شحاتة زيان، يرى أن التحرش ظاهرة طبيعية فى مجتمع متسيب، مؤكدًا أن الشخص المتحرش يعكس تربية رخيصة ولديه فجر أخلاقي وقليل من المتحرشين يعانون من مرض عضوي.

وأضاف شحاتة في تصريحات صحفية له أن اهتمام الدولة بالأفكار والأمن السياسي على حساب أمن الأفراد أي أمن المجتمع، أهم أسباب المشكلة، وكذلك عدم وجود ردع مجتمعي مما تسبب في تسيب وانفلات أخلاقي بالمجتمع، مؤكدًا أن وكالات التنشئة الاجتماعية للأفراد لا تقدم منظومة أخلاقية وتربوية متكاملة، ولكن تقدم نماذج غير سوية، فضلًا عن العنف الأسري الموجود بشكل متفشٍ وكذلك في الشارع، مطالبًا بمنظومة متكاملة تحددها الدولة للتخلص من المشكلة بأقرب وقت.

وفي الإطار ذاته اتهمت أستاذ علم النفس بجامعة القاهرة، الدكتورة منال زكريا، أنظمة الحكم بالوقوف وراء تفشي هذه الظاهرة، فعلى سبيل المثال حمّلت الرئيس المخلوع حسني مبارك المسؤولية الكبرى وراء انتشار التحرش، موضحة أنه كان يريد أن ينمو المجتمع المصري بتلك الطريقة دون تثقيف أو تعليم أو وعي أو منظومة تربوية كاملة، مضيفة: “جعل المجتمع زرعًا شيطانيًا”.

وأضافت أن ضعف القوانين التي تعاقب تلك الجريمة سبب آخر، مطالبة بتغيير كلمة “تحرش” فى القانون إلى “إيذاء بدني عنيف”، مدللة أن المتحرش يبيت النية ويخطط ليفعل جريمته، فضلًا عن أنها تدمير نفسوي ومعنوي كامل للضحية.

وفي المجمل لم تكن الأسباب الدينية والأخلاقية والمجتمعية وحدها المسؤولة عن تفشي ظاهرة التحرش في المجتمع المصري، المحافظ بمجمله، لكن يبدو أن وراء هذه الظاهرة منظومة متكاملة من الدوافع، السياسية والاقتصادية والفكرية، أفرزت جيلًا من المتحرشين الهاربين من أنات الواقع بأطيافه كافة، وعليه فإن الوضع مرشح للزيادة في ظل إبقاء تلك المنظومة كما هي، هذا إن لم يطرأ عليها ما يغير ملامح هذا المشهد العبثي.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :ملاحظة هامة: الآراء الواردة في هذا الركن لا تمثل بالضرورة رأي أو توجه هيئة تحرير جريدة الثالثة، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها فقط.