وضاح خنفر: النظام الدولي في عصر كورونا

وضاح خنفر: النظام الدولي في عصر كورونا

وضاح خنفر

2020-03-25T12:58:57+01:00
2020-03-25T14:29:21+01:00
مقالات الرأي
25 مارس 2020
وضاح خنفر: النظام الدولي في عصر كورونا
وضاح خنفر

التأثير الصحي لجائحة كورونا سوف يزول مع الزمن، وسوف تتجاوز البشرية خطرها كما تجاوزت أوبئة وطواعين وحروباً سابقة، لكن الأثر الاجتماعي والسياسي والاقتصادي سيبقى سنوات، وربما عقوداً قادمة.

الأزمات العالمية شكَّلت عبر الأزمنة نظمنا السياسية والاقتصادية، لأنها تسرِّعُ حركة التاريخ في اتجاهات ثلاثة: الأول أنها -وبدافع الضرورة- تحفِّز الناس على اعتناق حلول استثنائية للتعامل مع الخطر الداهم، فتزود المجتمعات والأفراد بالطاقة اللازمة للخروج من إلف العادة إلى ما هو غير مألوف، لا على مستوى السلوك فحسب، ولكن على مستوى الاعتقاد والفكر كذلك.

والثاني أن الأزمات تطيح بالنُّظُم الهَرِمَة اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، وتدفع إلى الأمام بمنظومات أخرى واعدة بتجاوز الأزمة، فالأزمة فرصة للإطاحة بالقديم الهرم وولادة الجديد الفتيّ، بشرط أن يكون القديم قد اشتهر بين الناس فشله، وأن يكون الجديد قادراً على بث الأمل في النفوس.

الثالث أن الأزمات تسرِّع تغيير موازين القوة الدولية، فتعزز اتجاهات استراتيجية وإن كانت ضعيفة كامنة، وتُضعِف أخرى وإن كانت قوية ظاهرة.

الحروب والأوبئة

لا شك أن الحروب تشكل موازين القوة أكثر من أي شيء آخر، وقلما نستطيع الحديث عن نظم دولية وتشكلات استراتيجية من دون سرد الحروب التي شكّلت هذا الواقع، إلا أن الأوبئة والطواعين لا تقل أهمية، فقد أسهمت هي الأخرى في تشكّل موازين القوة العالمية عبر التاريخ، ولكن بطريقة مختلفة عن الحروب، فالحروب تؤثر في الواقع الاستراتيجي تأثيراً مباشراً وسريعاً، بينما تؤثر الأوبئة في حركة التاريخ تأثيراً متدرجاً بعيد المدى، وفي معظم الأحيان لا يقتصر تأثير الطواعين والأوبئة على السياسة، بل يتعداه إلى النظم الاجتماعية والدينية والاقتصادية.

 ونضرب هنا مثالين: المثال الأول هو الطاعون المسمى طاعون جستنيان عام 541-542م، أي قبل ولادة النبي ﷺ بثلاثين عاماً، ويعتبر ذلك الطاعون من أكبر الأحداث تأثيراً في الواقع البشري القديم، فقد زلزل العالم، وقتل 40% من سكان القسطنطينية، وأوهن كلاً من الإمبراطوريتين البيزنطية والساسانية اقتصادياً وسكانياً، وهو ما يُعتبر عاملاً مهماً في اختلال موازين القوة الدولية وصولاً إلى انهيار القطبين الدوليين على أيدي الفاتحين المسلمين.

أما الطاعون الكبير عام 1346-1351م فكان أشد على البشرية وأنكى، إذ أفنى قرابة ربع سكان الأرض، وثلث سكان أوروبا، واحتاجت البشرية قرنين من الزمان لتعويض توازنها السكاني السابق، إلا أن هذا الطاعون يُعتبر نقطة تحول استراتيجي عميق، لاسيما في أوروبا، حيث أطلق هذا الطاعون، أو  “الموت الأسود” حركة انعتاق فكري وديني، فاستفاقت أوروبا بعدها من عصور الظلام البالية، وانهار في إثرها نظام الإقطاع المستبد، واهتزت ثقة الأوروبيين بالسطوة الكنسية الكهنوتية، وبدأ المفكرون والفلاسفة رحلة البحث عن معنى للحياة جديد، وعن مناهج في الاقتصاد والاجتماع أكثر عدلاً ومساواة، ولذلك يَعتبر المؤرخون الموت الأسود بداية عصر النهضة الأوروبية.

في هذين المثالين كانت بذور وتيارات التغيير موجودة بالفعل، إلا أن الأزمة عجَّلت حدوثها، فالإمبراطوريتان البيزنطية والساسانية كانتا في نهايات عهديهما، إذ نخر الاضطراب والحروب الأهلية بنية كل منهما منذ وقت سابق، كما أنهما عانتا من هرم المنظومة الأخلاقية الدينية لكل منهما، فجاء الطاعون لكي يعجّل بموت القديم المتهالك، ويُسهم في ولادة الجديد المندفع بعنفوانه، المجهز بقدرته على بناء واقع يستجيب لاحتياجات المرحلة، فكان هذا الجديد إسلامياً، فأحدث أكبر انقلاب استراتيجي عرفه التاريخ.

وهو ذات النمط الذي نجده في التاريخ الأوروبي بعد ثمانية قرون على طاعون جستنيان، فبينما كان العالم الإسلامي يتألق في عصره الذهبي كانت أوروبا تتخبط في قرون الظلام؛ أنهكها الإقطاع والصراع، ومنع تطورها جمود الكهنوت الكنسي، لقد كانت أوروبا تعرف أنها عاجزة، وتفهم أن قديمها قد وصل نهاياته المحتومة، لكن انسحاب القديم المتشبث ليس سهلاً، والجديد لم يكن جاهزاً، فجاء طاعون الموت الأسود، فعجّل حركة التاريخ، وتحول ما كان محظوراً إلى ممكن، فبدأ الجديد يتبلور، واحتاج قرناً ويزيد حتى تصلب عوده، ثم دخل في صراع مظفر مع القديم، وصولاً إلى عصر النهضة الأوروبية.

وعلى الرغم من أن وباء كورونا لا يُقارَن بطاعون جستنيان ولا بطاعون الموت الأسود من حيث الفتك بالناس، فإن تأثيره الاقتصادي والاستراتيجي سيكون هائلاً، لأنه يحمل في عالمية انتشاره السريع مثالاً حياً على روح العصر الذي نعيشه، فنحن نعيش عصر العولمة بأبعادها المختلفة، وكورونا يمتطي صهوة هذه العولمة ليصل إلى كل أرجاء الكوكب، ويهدد جميع سكانه على قدر المساواة.

النظام الدولي المعاصر: بداية النهاية

 النظام العالمي، الذي يهتز اليوم تحت وطأة كورونا، أمريكيٌّ بامتياز.

لقد وُلِدَ النظام الدولي الحالي بعد الحرب العالمية الثانية، فعلى إثرها انهارت الإمبراطورية البريطانية، وحلت مكانها “الإمبراطورية” الأمريكية، لقد بلغت بريطانيا في أوج قوتها مرتبة “أكبر إمبراطورية عرفها التاريخ”، واحتلت طوال قرن لقب “القوة العالمية الأولى”، ومع أنها خرجت منتصرة في الحرب فإنها كانت قد هَرمَت، فجاءت الحربان العالمية الأولى والثانية لكي تُطيحا بها، فما لبثت أن تخلت عن مستعمراتها التي لم تغب عنها الشمس.

كانت أمريكا قُبَيل دخولها الاضطراري في الحرب تُفضل العزلة الدولية، مستندة إلى عقلية الجزيرة الحصينة البعيدة عن مواطن النزاع في أوروبا، ولم يزد تعداد جيشها قبل الحرب على 174 ألفاً، ليحتل بذلك المرتبة الرابعة عشرة على مستوى العالم!

إن الذي ساعد الولايات المتحدة على تحقيق قفزات استراتيجية سريعة هو الطبيعة الديناميكية المنفتحة للمجتمع الأمريكي، فهو مجتمع مهاجرين، شديد التنوع، يحتفي بالنجاح والابتكار، ففي سنوات الحرب الخمس قفز تعداد الجيش الأمريكي إلى 11 مليون مقاتل، مجهزين بأضخم آلة عسكرية عرفتها البشرية، وخاضت الحرب بكفاءة، ثم توجت هيمنتها باختراع السلاح النووي، فبادرت إلى استخدامه ضد المدنيين في ناغازاكي وهيروشيما من دون رحمة. لم يكن قتل مئات الآلاف من المدنيين ضرورة لا مناص منها لوقف الحرب مع اليابان، فقد كانت اليابان تترنح وترسل مؤشرات استسلام، إلا أن الرئيس ترومان أراد من استخدام السلاح النووي أن يُدَشِّن عصر تفوق أمريكي لا يُضاهى، وعينه في ذلك الوقت على الاتحاد السوفييتي؛ الحليف الحالي والخصم المستقبلي.

انتهت الحرب العالمية الثانية، واندفع المعسكران العالميان؛ الغربي والاشتراكي، في سباق تسلح نووي محموم، جدير بتدمير الأرض مرات عديدة، لقد وُلد العالم الجديد من رحم خطيئة فاحشة.

التفوق العسكري الأمريكي صاحبه تفوق دبلوماسي واقتصادي، فغنائم ما بعد الحرب صبّت جميعاً في مصلحة أمريكا، فتأسست الأمم المتحدة وجُعِل مقرها في نيويورك، وأصبح الدولار المرتبط بالذهب عملة عالمية قياسية بفضل اتفاقية بريتون وودز، وتأسس صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ومقرهما في واشنطن.

وفيما كانت أوروبا تغرق في أزمة اقتصادية خانقة تدخلت الولايات المتحدة، عبر مشروع مارشال، لإعادة بناء أوروبا الغربية، لم تكن الأموال التي أنفقتها الولايات المتحدة في أوروبا محض عمل خيري، بل كانت ضرورية لوفاء أوروبا بسداد ديونها للولايات المتحدة، ومنذ ذلك الوقت صارت الولايات المتحدة صاحبة اليد العليا، وتخلّت أوروبا عن كبريائها التاريخي، وقبلت أن تسير خلف القيادة الأمريكية.

الآلة العسكرية الجبارة وإحكام السيطرة على النظام الاقتصادي العالمي عوَّدا أمريكا على ثقافة استعلاء مؤسَّسة على ركنين رئيسيين: الطغيان العسكري، والجشع الاقتصادي.

الحرب الباردة وسَّعت دائرة الاستقطاب بين المعسكرين لتشمل العالم كله وجميع مناحي الحياة. فاندلعت ثورات العالم الثالث الطامح إلى الفردوس الاشتراكي الموعود، ودعمت أمريكا أنظمة مستبدة، وخاض الطرفان حروباً بالوكالة كان وقودها العالم أجمع.

عالم الحرب الباردة صورة صادقة عن روح النظام الدولي: صراع صفري من أجل الهيمنة والبقاء، أما شعارات التحرر والعدالة الاجتماعية التي روّجها الاتحاد السوفييتي، ووعود الديمقراطية وحقوق الإنسان التي روجها الغرب، فلم تكن سوى أدوات في المعركة، لقد كان الصراع في جوهره استراتيجياً لا مكان فيه للأخلاق ولا للقيم، إلا “للأيديولوجيا المسلحة”؛ أي تلك النظريات التي يروجها الطرفان، اشتراكية كانت أم ليبرالية، من أجل بسط الهيمنة وتوسيع دائرة النفوذ.

لقد لعبت القيم والأيديولوجيا دور الوسيط الأنيق في لعبة شديدة القذارة.

وُلِدت الليبرالية في القرن السابع عشر، ووُلدت الاشتراكية في القرن الثامن عشر، ولكل منهما مبادئ إنسانية جديرة بالاحترام، إلا أن الأزمات نقلتهما من خانة القيم الإنسانية إلى خانة التوظيف الاستراتيجي، وهذه الخطيئة الثانية التي ارتكبها النظام العالمي: وظّف المقدس لخدمة الصراع، فكل شيء ليس إلا أداة في صراع تسيدي مجنون، كل شيء ينبغي أن يكون حطباً في جحيم التنافس الجهنمي.

ثم انهار جدار برلين عام 1989م، ومعه انهار المعسكر الاشتراكي، وبدا أن الليبرالية الغربية قد حققت عن جدارة انتصارها النهائي، فاندفعت معظم دول العالم النامي بما فيها دول أوروبا الشرقية، في مطلع التسعينيات، إلى تنظيم انتخابات ديمقراطية -شكلياً في معظم الأحيان- تزلفاً لانتصار الليبرالية العالمية المزعوم، لقد بدا أن الغرب قد رسم الشكل النهائي للتاريخ وإلى الأبد، وتوَّج أمريكا على عرش الهيمنة العالمية من دون منازع، واندفع العالم المنبهر بكل ما هو أمريكي صوب القبلة الأولى للسياسة الدولية: واشنطن.

لم تُضع أمريكا الوقت في الاحتفال، بل عكفت على صياغة العالم الجديد على صورتها، فوظفت تفوقها العسكري لتصبح شرطي العالم، وامتطت العولمة الاقتصادية لتكديس أكبر ثروة عرفتها البشرية، مخلفة فوارق هائلة بين الأغنياء والفقراء.

تأسست منظمة التجارة العالمية عام 1995م لرعاية العولمة الاقتصادية، واعدةً العالم بالمدد المستمر للمواد الخام والسلع، وكان الاقتصاد الأمريكي هو المستفيد الأول، فعاش في التسعينيات أفضل أوقاته: معدلات نمو عالية، تضخم منخفض، معدلات بطالة تقل عن 5%، وأسواق مال مزدهرة تقودها طفرة الاستثمار الرقمي.

ثم جاءت هجمات 11 سبتمبر/أيلول فأفقدت أمريكا توازنها الاستراتيجي والاقتصادي، واندفعت وراء حرب عبثية طويلة باهظة الكلفة في أفغانستان والعراق. وبينما انشغلت القوة العظمى بمطاردة أشباح في الكهوف والصحاري تفرغت الصين وروسيا لاستعادة عافيتهما الاقتصادية ونفوذهما الدولي، لقد كانت الحرب الأمريكية على أفغانستان والعراق أكبر خطأ استراتيجي ارتكبته الولايات المتحدة، ولا يمكن فهم سبب هذا الخطأ إلا في إطار التَّسيُّد الذي أسسته أمريكا لنفسها بعد الحرب الباردة: البطش العسكري والتفرد بالزعامة.

ثم جاءت الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008م، فضربت أسواق الولايات المتحدة ثم أوروبا وبقية العالم، واستمرت الأزمة تعيد تشكل الاقتصاد العالمي، وانتهت إلى تراجع تدريجي للنفوذ الأمريكي، وصعود الصين كمنافس فتيٍّ خفيف الحركة سريع النمو، وصولاً إلى حرب باردة جديدة، لكنها هذه المرة اقتصادية، فاندفعت إدارة ترامب بخطوات غير مسبوقة لفرض رسوم جمركية على البضائع الصينية، وتشجيع الشركات على بناء خطوط تصنيعها في الولايات المتحدة، وشن حظر على شركات صينية تقنية، كشركة هواوي، لمنعها من بناء الجيل الخامس للإنترنت عالمياً، وضغط على حلفاء أمريكا ليحذوا حذوه، كل ذلك للحد من صعود الصين وإبطاء نموها، وإبقاء التفوق الأمريكي أطول مدة ممكنة، وفي هذه الأجواء داهمنا عصر كورونا.

هل سيقضي كورونا على العولمة الأمريكية؟

العالم الذي نعيشه اليوم متشابك ومتداخل، والعولمة هي السمة الأهم للمنظومة الدولية، وللعولمة ركنان أساسيان: الأول اقتصادي، والثاني تقني، وفي الوقت الذي ستتراجع فيه العولمة اقتصادياً بسبب أزمة كورونا سوف تواصل التكنولوجيا الدفع بها إلى الأمام، ولذلك فالعولمة مستمرة ولكن بوتيرة مختلفة وبقيادة متعددة الأقطاب.

بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، وتأسيس منظمة التجارة العالمية، بدأت المصانع نمطاً من الإنتاج يعتمد على مصادر عالمية متعددة للمواد الخام وللأجزاء التي يتشكل منها المنتج، فالسيارة التي تُصنع في ألمانيا تستورد بعض أجزائها من الصين، وبعضها الآخر من كوريا وغيرها، وتُشكِّل الصين مصدر 70% من المواد الفعّالة التي تدخل في صناعة الدواء الأمريكي، وتعمل مصانع في آسيا والمكسيك وشمال إفريقيا على إنتاج قطع وأجزاء لمصانع في أوروبا وأمريكا، مستغلة رخص الأيدي العاملة وقوانين التجارة الحرة وبنية الشحن الدولي المستقرة والسريعة، وهكذا بنت العولمة اقتصاداً يعود بالربح الوفير على المصنعين، ورسخ في ذهن الجميع يقينٌ تام بديمومة خطوط الاستيراد وسرعة توريدها، إلى أن أظلتنا أزمة كورونا، فهزَّت هذا اليقين، فالمصانع تتعرض للإغلاق الجزئي أو الكامل لفترات غير محددة، وبقرار من الدول، ليس وفقاً لمبادئ العرض والطلب، وهو ما قذف الأسواق العالمية في حُمّى الاضطراب وعدم القدرة على التنبؤ بالمستقبل، فانهارت أسواق المال والبورصات، وتراجعت توقعات النمو، وازداد الخوف من ركود عالمي كبير.

القطبية المرنة

لا نستطيع الجزم في هذه المرحلة على وجه اليقين بمآلات النظام الدولي وموازين قوته، ولكننا نستطيع أن نرسم ملامح للمستقبل، بناءً على توجهات استراتيجية كانت آخذة بالتشكل فعلاً في السنوات الماضية، وسوف يقوم كورونا بتسريعها.

أولاً: التأثير الأول لكورونا هو إبطاء العولمة الاقتصادية، وهذا تيار ليس جديداً، فقد بدأ منذ ثلاث سنوات، بسبب السياسات التي سنتها إدارة ترامب، إلا أنه الآن سيتعزز عالمياً، إذ ستسارع الشركات والدول إلى امتلاك بنى تحتية ذاتية تقلل اعتمادها على الأسواق العالمية، لا سيما في المنتجات الحيوية، وبالطبع فإن أرباح الشركات سوف تقلّ، ولكنها تأمل في الاحتفاظ باستقرار أكبر لخطوط إنتاجها.

ثانياً: بدلاً من الانفتاح سوف يتجه العالم في السنوات القادمة نحو الانكفاء، وتصاعد المد القومي، ولسان حال دول العالم: نفسي نفسي، وبالطبع فلن يقف الانكفاء عند حدود الاقتصاد، بل سيتعداه إلى تعزيز نزعات قومية وعنصرية، وهي توجهات رأيناها تتصاعد في السنوات الماضية، فجاء كورونا ليزيد الخوف من الآخر مصدر العدوى، فأغلقت الحدود، وتصاعدت الأنانية القومية، ما سيعزز الانكفاء على الذات، وسيدفع باتجاه كراهية الأجانب، والحقد على الأقليات، واستهداف اللاجئين.

ثالثاً: ومن التوجهات التي ستتعزز بفعل كورونا وأزمته الاقتصادية تراجع الزعامة الأمريكية للعالم، فأمريكا -تحت قيادة رئيس منشغل بتمجيد نفسه- فقدت بالفعل هيبتها، وهذا لا يعني بالطبع انهيار الولايات المتحدة أو تحولها إلى دولة هامشية، فلا تزال قادرة على الاحتفاظ بموقع الصدارة العالمية، إلا أن الأزمة الاقتصادية الحالية ستضفي مزيداً من الشك حول قدرة أمريكا على التعافي السريع، فضلاً عن التفرد بقيادة العالم، ولذلك فالمجال متاح أكثر من أي وقت مضى لعالم ثنائي القطبية، ولكنها قطبية تختلف عن نظام الحرب الباردة.

رابعاً: نظام دولي ذو قطبية مرنة، فالنظام الدولي القادم سيقوده قطبان رئيسان هما الصين وأمريكا، ولكنه لن يكون بصرامة القطبية التي رأيناها في الحرب الباردة، فهذا النظام الجديد سيكون مرناً، وسوف تستغل أطراف أخرى، مثل روسيا والاتحاد الأوروبي هذه القطبية لتعزيز دورها، فانشغال الصين وأمريكا في تنافس اقتصادي وتراشق إعلامي سيكون مفيداً للاعبين آخرين، بل سيستفيد من ذلك لاعبون إقليميون في الشرق الأوسط مثل تركيا وإيران، فكل تصدع في الجدار الدولي مفيد للاعبين أقل نفوذاً.

هل ستكون العولمة القادمة صينية؟

لقد أخفت الصين انتشار الفيروس ثلاثة أشهر، وارتكبت بذلك خطيئة كبرى سببت انتشاراً عالمياً للوباء، ثم اتخذت إجراءات استثنائية، أصابت اقتصادها بتراجع حاد، لكنها نجحت -في هذه المرحلة على الأقل- في احتواء الفيروس، بعدها انطلقت في تلميع صورتها، فبادرت إلى مد يد العون لدول خذلها حلفاؤها، مثل إيطاليا وصربيا، مقدمة نموذجاً جديداً للتضامن الدولي، مختلفاً عن الأنانية التي أبدتها الإدارة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي.

وإذا نجحت الصين في اكتشاف لقاح أو دواء للمرض، فستكون أقدر من الولايات المتحدة على تصنيعه بسرعة أكبر وتكلفة أقل، وسيكرس ذلك ريادتها العلمية والتقنية.

المهم استراتيجياً هو سرعة تعافي الصين اقتصادياً وقدرتها على استئناف الإنتاج في مصانعها، وهو ما يتحقق بالفعل، وتأمل الصين أن تحقق معدلات نمو عالية تعوض فيها النقص الذي طرأ في الشهور الماضية، وغالباً ستنجح الصين في ذلك، لا سيما إذا طال أمد الأزمة في أمريكا وأوروبا، ويبدو أن الأزمة لا تزال في بداياتها، وهو ما سيخدم الصين، ويمنحها نقطة تفوق لن تتردد في استخدامها إلى أبعد حد.

ولكن هل ستُسلِّم أمريكا للصين؟ هذا ليس متوقعاً على الإطلاق، فالولايات المتحدة ستسعى بكل ما أوتيت من قوة للاحتفاظ بريادتها العالمية، عندها ستضطر إلى مواجهة صفرية مع الصين، هذه المواجهة ستبني نظاماً ثنائي القطبية، وسيكون المحرك الذي يشكل النظام الدولي الجديد. 

تعرف الصين أن المواجهة مع أمريكا قادمة لا محالة، وتدرك أن صعودها الاقتصادي يحتاج قوة عسكرية لحمايته.

لقد نهجت الصين في العقود الماضية سياسة الابتعاد عن الأزمات الدولية، وأفسحت المجال لأمريكا وغيرها للانخراط في حروب وأزمات جيوسياسية، إلا ما اختص بالأمن القومي الصيني المباشر، المتمثل في تايوان والتيبت وبحر الصين الجنوبي، لكن هذه السياسة لن تستمر طويلاً، والصين بدأت بالفعل تطوير منظومتها العسكرية، وانخرطت في تحالفات إقليمية، وسوف تضطر للتدخل بشكل أكبر في نزاعات عالمية، ذلك لحماية مصادر المواد الخام في إفريقيا وأمريكا اللاتينية، وحماية أسواقها في آسيا، وضمان حرية النقل الذي ينبغي على مشروع الحزام والطريق أن يقوم به.

الصين بعيدة جداً عن تطوير بنية عسكرية تواجه فيها أمريكا، فالقدرات العسكرية الأمريكية لا تُضاهى، ولن تنجرَّ الصين إلى مواجهة عسكرية مع أمريكا، لكنها ستعتمد استراتيجية تُرهق فيها الأَسد الجريح، وتستنزف قوته، بينما تعزز من حضورها الدولي، وتوسعها الاقتصادي.

هل ستستطيع الصين أن تملأ الفراغ الناشئ عن الانسحاب التدريجي للولايات المتحدة؟

ستحقق الصين صعوداً اقتصادياً، لكنها لن تحتل المكانة التي تحتلها أمريكا على المسرح العالمي، ولن تستطيع بناء عولمة صينية، فعزلة الصين الثقافية، وارتفاع الفجوة بين الساحل المتطور والداخل الصيني الفقير، وديكتاتورية الحزب الواحد، وسياسة التحكم المركزي، والانغلاق الإعلامي لن تكون مفيدة في بناء منظومة عالمية تكون الصين مركزها.

إن ما جعل الولايات المتحدة قطباً عالمياً ليس السلاح الأمريكي ولا وول ستريت فحسب، بل منتجات أخرى تعولمت مثل هوليوود، ومنابر الإعلام والفن، واللغة الإنجليزية، والانفتاح الأمريكي على المهاجرين من أصحاب الكفاءات العلمية، ومنحهم الجنسية الأمريكية، والجامعات العريقة ذات الإمكانات الهائلة، بالإضافة إلى الديمقراطية والحرية الإعلامية، كلها عوامل لا تزال الصين مفتقرة لها.

لقد ارتكبت السياسة الأمريكية فظائع كثيرة ضد أمم وشعوب كثيرة، لا سيما العالم العربي، إلا أن صعود الصين لن يكون فأل خير على ثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان، ولا على حقوق الأقليات، فقد شهدنا القسوة التي تتعامل بها الصين مع المعارضين، وهيمنتها على الإعلام، وبطشها بالمسلمين الإيغور، وبكل من يحاول التعبير الأمين، بما في ذلك الطبيب الذي اكتشف الفيروس وحذر من انتشاره.

كورونا يُدخِل القارة العجوز غرفة الإنعاش

تأسس الاتحاد الأوروبي فيما بعد الانتصار الغربي الماحق على الاتحاد السوفييتي، وكما حملت تسعينيات القرن الماضي الرخاء لأمريكا فقد عاش الاتحاد الأوروبي عصره الذهبي، لقد حقق للقارة العجوز تقاعداً مريحاً، فقد وعد الاتحاد مواطنيه بالأمن الجماعي والرخاء الاقتصادي، وقد تحقق الأمن بالفعل بعد الرعب الذي سيطر على القارة أثناء الحرب الباردة، واستطاعت منظمة الناتو أن تؤمن القارة ضد روسيا المُتعَبَة المُهانة، وأن تقدم الدعم للدول التي خرجت من عباءة الاتحاد السوفييتي، لدرجة استفزت أكثر السياسيين الروس انفتاحاً على الغرب، ما دفع روسيا تحت قيادة بوتين إلى أن تلتقط أنفاسها وتتحرك للدفاع عن عمقها الاستراتيجي، فاجتاحت القوات الروسية شمال جورجيا عام 2008م، فأصيب الناتو بالصدمة والشلل، ووقف عاجزاً عن فعل أي شيء، ثم اجتاحت القوات الروسية شرق أوكرانيا، وضمت جزيرة القرم في 2014م، ولم يفعل الاتحاد الأوروبي شيئاً مرة أخرى، سوى الإدانة وتقديم مساعدات متواضعة لأوكرانيا، هنا اهتز الوعد الأول من وعود الاتحاد: الأمن الجماعي.

أما الرخاء الاقتصادي فقد بلغ ذروته في التسعينيات وبداية القرن، لكنه اصطدم بأزمة اليورو 2009م، عندها برزت عيوب النظام الاقتصادي الأوروبي، وتصاعدت حدة الخلاف بين دول الشمال، لا سيما ألمانيا ذات التأثير الأهم في البنك المركزي الأوروبي، ودول الجنوب الأوروبي الفقيرة نسبياً، ثم جاءت أزمة ديون اليونان لتضرب مفهوم التضامن الأوروبي في الصميم، بعدها جاءت أزمة اللاجئين، فازداد الانكفاء القومي، وبدت مؤسسات الاتحاد عاجزة عن رسم سياسة موحدة، لكن الضربة الأكثر إيلاماً هي أزمة كورونا، فقد ضربت صميم الفكرة الأوروبية: أغلقت الحدود، تعثر التنسيق المشترك، اقتصر التبادل التجاري على السلع الضرورية، ورافق ذلك تصاعد الأنانية القومية وتزايد الاتهامات المتبادلة.

هناك مشكلة مزدوجة تعصف بالاتحاد حالياً؛ الأولى صحيَّة، وهذه تلجأ فيها الدول إلى الانغلاق والاستئثار بإمكاناتها الذاتية وحتى القرصنة بالاستيلاء على المواد الطبية إذا لزم الأمر، وبالطبع فالنظم الصحية في بعض الدول الأوروبية على وشك الانهيار، ذلك أن كورونا يؤثر بشكل أكبر على كبار السن، والشيخوخة السكانية في أوروبا بلغت في السنوات الماضية معدلات مرتفعة.

والمشكلة الثانية التي تواجه الاتحاد اقتصادية، وهذه لا تستطيع فيها دول الاتحاد أن تتخذ سياسات منفردة، فلا بد من التنسيق المشترك، وهذا الذي سيحدد نجاح الاتحاد أو فشله، ويبدو أن المؤشرات لا تبشر بالخير.

لن ينهار الاتحاد الأوروبي قريباً، فالمنظمات الإقليمية والدولية لا تموت، لكنها إما أن تتطور أو تنزوي، والاتحاد الأوروبي يحتاج أكثر من أي وقت مضى لإعادة تأهيل ذاته، ولا يبدو ذلك على وشك الحدوث، إذا أخذنا بالاعتبار صعود اليمين المتطرف المعادي للفكرة الأوروبية، ولذلك فمن المتوقع أن تنشأ تكتلات داخل الاتحاد بين دول متقاربة في مصالحها الاقتصادية أو نزعتها السياسية، لفترة ليست قصيرة، بانتظار قيادة للاتحاد تقوم على تطويره ليتوافق مع مصالح أوروبا بشكلها الجديد، والدولة الوحيدة القادرة على ذلك هي ألمانيا، لكنها تدخل هي الأخرى أزمات سياسية يسببها تصاعد اليمين المتطرف. 

توحش الدولة سيتفاقم

عالم ما بعد كورونا، ولفترة قد تطول، منكفئٌ على ذاته، يحيط به الخوف من الفقر، وتتصاعد فيه النزعات العنصرية، وهذه وصفة جاهزة لحروب أهلية وأخرى عابرة للحدود، وهنا سنلتفت إلى تأثير ذلك على وظيفة الدولة ومؤسساتها الأمنية في المرحلة القادمة.

أجواء الخوف والتوتر تدفع الناس للتخلي طوعاً عن حرياتهم من أجل الأمن، وقد رأينا ذلك في الأيام الماضية، صحيح أن الإجراءات الاستثنائية التي سنتها معظم الدول مبررة بالفعل، لأنها تأتي في سياق احتواء الجائحة، إلا أن عواقبها البعيدة لن تكون حميدة، فالدول عادة تحتفظ بالصلاحيات الاستثنائية بعد زوال الضرورة الموجبة لها، وإذا اعتبرنا أن ضرورة التعامل مع كورونا ستتجاوز الجانب الصحي ومنع انتشار الفيروس إلى ضرورات الحد من الانهيار الاقتصادي، وما يتبعها من انتشار الجريمة، فإن الدولة ستجد مبررات عديدة للإمساك بالأمور بقبضة من حديد.

ومما سيزيد الأمر خطورة هو استخدام التكنولوجيا الذكية لمصادرة ما تبقى من خصوصية للناس، ونحن اليوم أمام اللحظة التي ينتقل الاعتداء على الخصوصية من خانة المذموم إلى خانة المحمود، فأمام جائحة كورونا تُشكَر السلطات على استخدام تقنيات التعرف على الوجوه، وتحديد الأماكن، وشبكة المعارف، كل ذلك في سبيل احتواء الفيروس، وهذا من الأسباب التي جعلت تجربة الصين في احتواء المرض ناجعة، وستحذو دول العالم حذو الصين، وسيتم اختراع تطبيقات جديدة أكثر دقة للتعرف على البيانات الحيوية للناس، كالخارطة الجينية ودرجة الحرارة وضغط الدم، وهي معلومات لا تحدد الحالة الصحية للإنسان فحسب بل يمكن أن تحدد المزاج النفسي كذلك.

والخطر الثاني الذي يرافق التفويض العام للدولة هو صعود قوى غير ديمقراطية للحكم، فإذا أخذنا بالاعتبار أن اليمين المتطرف قد ينجح في الصعود إلى سدة الحكم في عدد من دول العالم، فإننا أمام سيناريو مخيف، يتلقف المتطرفون فيه أدوات سيطرة الدولة، ويندفعون باتجاه الهيمنة المطلقة على خصوصيات الناس وعلى أفكارهم وآرائهم، بل سيتعدى خطر ذلك ليطال مغامرات عابرة للحدود. سيكون العالم أشد خطورة بوجود حكومات متسلطة ترفع لواء العنصرية والشعبوية.

الخير يسكن المستقبل

لقد عانى كوكبنا وكل من عليه، بشراً كان أم حيواناً ونباتاً، من نظام عالمي أنتج جشعاً اقتصادياً وتوحشاً عسكرياً غير مسبوقين، لقد أنفقت دول العالم تريليونات الدولارات على بناء ترسانة موت، واندفعت في استنزاف الأرض من دون حد، فأضرت بتوازن الطبيعة القويم، واستمرت حتى اعتلَّت الأرض، فارتد مرضها على البشرية فيضانات وأعاصير وحرائق، ثم جاء كورونا ليكشف غرور الإنسانية في مواجهة الطبيعة، ومع هذا يواصل العالم سيره الأعمى نحو هاوية سحيقة، من دون اعتبار ولا روية.

لم يكن النظام العالمي الذي يترنح الآن رحيماً بالأرض ولا بالخلق، ولذلك فإن تصدعه المحتوم فرصة للإنسانية لبناء نظام أكثر عدلاً.

النظام العالمي المأمول يستدعي منظومة قيمية جديدة، فالليبرالية الغربية التي وعدت الناس بالحرية والمساواة وحكم القانون ستجد نفسها عاجزة عن إعادة بناء ذاتها، فهي في حالة تراجع منذ زمن، لقد فشلت في أن تتمسك بنقائها القيمي، وبعالميتها الإنسانية، وانحيازها للعامة من الناس، وصارت مع الزمن أداة هيمنة بيد القوى النافذة، فأصابها ما يصيب كل القيم عندما تتحول إلى أدوات بيد مراكز القوة: تنغلق على مقولات جامدة فتكتسي طابعاً إقصائياً ثم تبرر العنف ضد الخصوم فتخسر وهجها.

ينبغي أن تكون منظومة القيم الجديدة ذات أساس إنساني عالمي، تنتصر للخير أينما وجد، وترد للطبيعة اعتبارها وللإنسان كرامته، وإذا كنا نتنبأ بتصاعد النزعة اليمينية المتطرفة، فلا شك أن التطرف لن يصنع استقراراً أمنياً ولا ازدهاراً اقتصادياً، ولن يقدم حلولاً ملموسة لأزمات العصر، لكنه وليد لحظة خوف ويأس، ولذلك فلن يسود إلا لفترة مؤقتة، يبدو للجميع بعدها فشله، وسيستفيق الناس حينها للبحث عن نظام إنساني رشيد.

في هذه الأثناء ينبغي على المؤمنين بقيم العدل أن يكثفوا جهودهم، وأن يبنوا تحالفاً عالمياً فاعلاً، تحالفاً عابراً للأعراق والقوميات والأديان، يؤمن بالتنوع والتعدد، فلا تهيمن عليه مركزية حضارية بعينها، ولا يكون سلاحاً في يد قوى عالمية تفرض به هيمنتها.

عالم ما بعد كورونا ليس عادلاً ولا آمناً، لكنه سيدفع حتماً نحو بديل أكثر عدلاً ولو بعد حين، فلقد تعلمنا من التاريخ أن الخير لا يموت، قد يتراجع لبعض الوقت، لكن طغيان الشر سيكون خير محفز للنهوض.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :ملاحظة هامة: الآراء الواردة في هذا الركن لا تمثل بالضرورة رأي أو توجه هيئة تحرير جريدة الثالثة، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها فقط.