هل يوجد من يخلف أردوغان؟

هل يوجد من يخلف أردوغان؟

20 يناير 2021

الرجل الأقوى في تركيا 

رغم تقارير المنظمات الدولية ومراكز البحوث ومقالات المؤسسات الداعمة للقرار الغربي والطعن في سياسة الإدارة التركية وتقويض أخطائها وإضعاف قدراتها السياسية والاقتصادية، ورغم تورط الغرب بشكل غير مباشر أو حتى بشكل مباشر في الفشل محاولة الانقلاب على حكومة العدالة والتنمية عام 2016 وما تلاها من انقلابات اقتصادية مدعومة من دول المنطقة بسحب استثماراتها، إلا أن الرئيس أردوغان رغم كل هذه الحرب الوحشية التي لم تتوقف على سياساته وعلى شخصه وعائلته في حرب إشاعات لا تنتهي عن فساد مالي وتأثير كبير يصل إلى مستوى الاستبداد الذي كانت أو لا تزال تعيش فيه العديد من العائلات حكام المنطقة، لكن الرئيس أردوغان لا يزال يحظى بشعبية كبيرة بين شعبه، ولم يهتزها وباء كورونا الذي هز دولاً كبيرة، وعلى رأسها أمريكا التي أطاح شعبها بترامب بسبب تعامله مع الوباء.

على  الصعيد الاقتصادي، استطاع أردوغان ورجاله رغم الضربات المتتالية لاقتصاده قبل أربع سنوات، والتي تضاعفت حدتها بفعل شدة وباء كورونا أن يتفادى السقوط رغم الضعف الذي أثر على اقتصاده وأثر بشكل كبير على سعر صرف العملة التركية الليرة.

وعلى المستوى السياسي، لايزال الرئيس أردوغان داخليا، يمثل الرجل القوة الضاربة لحزبه أمام الأحزاب المتنافسة ويمثل في الخارج وحشًا مكسرًا، وقد اختلف الغرب في التعامل معه بين محاولة الانحراف والرغبة في المواجهة، ولا يزال الرأي الأول سائدا رغم العقوبات الأوروبية والأمريكية المفروضة على بلاده منذ أيام، والتي تؤكد أن أردوغان ليس أقوى رجل في تركيا فحسب، بل في العالم الإسلامي، بحسب استطلاعات الرأي التي أجرتها مؤسسة جالوب الدولية للأبحاث هذا العام.

من سيخلف أردوغان؟

  ولعل السؤال الأبرز الذي يدور في جميع الأوساط التركية والإقليمية وحتى الدولية هو من المرشح لخلافة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان؟ وحسب استطلاعًا للرأي أجرته مؤخرًا مؤسسة أرتيبر لأبحاث الرأي مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية عام 2023، وربما يأتي استكشاف الشارع التركي تحسبا للتعامل مبكرا مع كل الاحتمالات.

  وبحسب صحيفة جمهوريات التركية، فإن استطلاع الرأي الذي أجرته المؤسسة شمل 26 مدينة لاستطلاع الرأي العام حول الشخصية التي يمكن أن تشكل الرئيس أردوغان، لذا جاء سليمان صويلو وزير الداخلية الحالي أولاً، ثم وزير الصحة فخر الدين قوجة، وأكرم إمام أوغلو رئيس البلدية اسطنبول،  ثم محرم إنجا، المرشح الرئاسي السابق عن حزب الشعب الجمهوري ومؤسس حزب الحركة الوطنية في غضون ألف يوم بعد انشقاقه عن حزبه الذي رشحه لرئاسة الجمهورية، الذي يعد من أكثر الوجوه قبولا في الشارع، ومع ذلك، فإن صويلو هو الأكثر قبولًا في الشارع التركي.

مسيرة صويلو بإيجاز ( وزير الداخلية الحالي)

  سليمان صويلو، المولود في تشرين الثاني / نوفمبر 1969 في اسطنبول، من أصول عائلية تنتمي إلى منطقة البحر الأسود، تخرج من كلية إدارة الأعمال في جامعة اسطنبول، بدأ مشاركته في العمل السياسي عام 1987،  وفي عام 1995، أصبح صويلو أصغر رئيس لمنطقة في التاريخ التركي في سن الـ 25، ممثلاً عن حزب الطريق الصحيح، اشتهر وزير الداخلية الحالي بخطابه القومي والديني الداعم لوحدة الأراضي التركية وضد المواقف الانفصالية من قبل حزب العمل الكردستاني ومن يسانده من الدول الغربية،ا نضم صويلو إلى حزب العدالة والتنمية عام 2012، ودخل البرلمان في قوائمه عام 2015 وأصبح وزيراً للعمل، وبعد محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، تم تعيينه وزيراً للداخلية بعد أن أظهر بطولات أثناء ليلة الانقلاب الفاشل، وكان رأس الحربة لتطهير البلاد – ولا يزال – من جماعة فتح الله غولن المتهم بتدبير محاولة الانقلاب، وخلال تلك الفترة، ذهب صويلو إلى حد اتهام الولايات المتحدة بالوقوف وراء الانقلاب العسكري الفاشل، واصفًا حركة غولن بأنها وباء يجب القضاء عليه، وعلى الرغم من كل ذلك استمر صويلو في عدم لفت الانتباه إليه على الصعيد الدولي، حيث لاتجد الكثير من التحليلات الغربية لشخصية الرجل الأبرز والأكثر نفوذًا في إدارة الرئيس أردوغان

سليمان صويلو وزير الداخلية التركي

استقالة الوزير

  لطالما ظهر صهر الرئيس التركي ووزير خزنته السابق بيرات البيرق، لا سيما بعد محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، وكصديق مقرب للرئيس، ولا ينسى الشعب مرافقة الشاب الثلاثيني للرئيس في ليلة صعبة للغاية على كل تركيا، وذلك في محاولة الانقلاب الفاشلة ، وأكد ظهوره المستمر في جميع الأنشطة التي يحضرها الرئيس وأسفاره على أنه الأقرب لخلافة الرئيس أردوغان، لكن الرجل ومع الانعطافة الأولى على خلفية تراجع قيمة الليرة التركية وقرار الرئيس إقالة محافظ البنك المركزي، راهن الشاب على شعبيته وصعود الى منصة الرئيس المتكرر، ولوح باستقالته فقبلها الرئيس وإذا تأخر ليلة على أمل أن يتراجع الشاب الذي أغلق هاتفه، ويرى المراقبون أن الشاب أراد اختبار رد فعل الرئيس بالمقارنة مع  نفس الإجراء الذي قدمه منافس البيرق سليمان صويلو عبر حسابه على تويتر، فسرعان ما رفضها الرئيس رغم أنها لم تكن رسمية.

ولعل هذا الموقف يؤكد مدى تمسك الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بصويلو رغم أن العديد من المشاهد الأخرى التي تضم شركاء في تأسيس الحزب الحاكم لم تتضمن هذا الالتزام الذي أبداه رئيس صويلو، لذلك كان رد الفعل هو تأسيس أحزاب جديدة تناضل من خلال وسائل الإعلام وتخدم أجندات مناوئة، بعلم أو بغيره.

صويلو على خطى المؤسس في صنع شعبيته

  على الرغم من أن مكونات حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا ليست متجانسة، ولا تحالفه الذي يضم بشكل أساسي التيار اليميني، فقد نجح الرئيس أردوغان حرفيًا في توحيد مختلف المكونات الدينية والإسلامية والوطنية والقومية المحافظة والتي تشكل في مجموعة الحاضنة التي تحافظ على توازن القوى في تركيا، ومنه فإن صويلو خريج تلك البوتقة،فهوا ليس بعيدًا عن تركيا التي تمكن رئيسها أردوغان من تشكيل هويتها على مدار السبعة عشر عامًا الماضية أو أكثر، حتى لو كانت المخاوف من مجموعة الشباب التي يتم اللعب عليها بشكل كبير في الفترة الماضية، والتي مرت بصعود مرشح الحزب الشعب الجمهوري لمنصب عمدة اسطنبول أكرم إمام أوغلو، ولكن في نفس الوقت يبدو أن مواقف حزب العدالة والتنمية وصويلو الذي يعد أقوى رجل في الحزب بعد الرئيس، والذي يبدي الكثير من العناد أمام طموحات تركيا بالوقوف في الصف الأول ، وبالتالي يكون له أثر كبير على فئة الشباب الذين يحبون وطنهم  ويطمحون إلى أن تكون تركيا أقوى، وهو الخطاب الذي تبناه صويلو في خطابه قبل أيام في البرلمان: (من منا كان يتوقع قبل عشر سنوات والغرب الذي يبحث عن الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​أن نطالب بحقنا في الغاز، من منا كان يتوقع الانتصار الذي حققناه في اقليم كاراباخ، من الذي كان يتوقع أن تطهر تسعة آلاف كيلومتر مربع في شمال سوريا يعيش فيها ما يقرب من مليون ونصف المليون لاجئ سوري بأمان،  نشكر الله على تصميم تركيا على ضرب الإرهاب رغم ما تقوله أوروبا وأمريكا، فمن منا كان يتوقع أن الطائرات التي كنا نشتريها من إسرائيل وننتظر في الدور حتى يصلحوها لنا، والآن نصنع طائراتنا بدون طيار بأيدي مهندسينا) ثم وجه خطابه إلى أعضاء حزب الشعوب الديمقراطي، الذين شوشوا عليه خلال حديثه … أموال تركيا لا تذهب إلى حزب العمال الكردستاني، أموال تركيا تذهب إلى الشعب التركي)، واختتم حديثه بقوله: (نسأل الله أن لا نخذل أمام شعبنا وحضارتنا وتاريخنا).

  هذا خطاب لزعيم وليس وزير داخلية الذي كشف عن أيديولوجية يتبناها الرئيس أردوغان وحزبه ولم يخرج عن الخط الذي رسمه، تطرق إلى  الشؤون الداخلية ونظرته للعلاقات الخارجية، واتضح، أن صويلو مسلح بشعبيته المتزايدة في الشارع التركي، وليس بما يتحقق على المستوى المحلي، بل بالشعبية التي انفجرت ليلة تقديمه الاستقالة، حيث تم نشر ما يقرب من مليون تغريدة على موقع تويتر خلال ساعة واحدة فقط، تطالب الرئيس بعدم قبول استقالته، وخرج أنصاره يصفقون بالشرفات في مناطق واسعة من البلاد بعد أن رفض رئيس الجمهورية الاستقالة، في مشهد مختلف تمامًا عن وزير النقل والمالية الذي انسحب من المشهد، كما أنها ضربة لكبار مؤسسي  الحزب الثلاثة، دون أن ترف لهم عين من أنصار الحزب أو من خارجهم، وهم معلقون بينهم وبين هؤلاء.

وزير المالية التركي بيرت البيرق

لماذا صويلو رغم مخاوف الغرب؟

  في دراسة أجراها مركز التقدم الأمريكي ( Centre for American Progress ) وهو أحد المراكز المقربة من صناع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية، وخاصة لدى الديمقراطيين، يرى أنه من غير المرجح أن تتمكن المعارضة الرئيسية من كسر الهيمنة الكلية لليمين دون انهيار في هذا التماسك السياسي اليميني، وتوصل إلى تلك النتيجة من خلال استطلاع للرأي أجرته شركة استطلاع الرأي التركية ميتروبول في أكتوبر من العام الماضي، ورغم أن نتائج الاستطلاع لن تعكس بدقة قراءة مستقبل إن الوضع السياسي التركي،بسبب المزاجية المتقلبة للسياسة التركية، إلى أنه رغم ذلك يساهم في كشف الوضع العام والمؤثر إلى حد كبير على المسار المستقبلي للواقع السياسي لتركيا.اقرأ أيضا: تشاووش أوغلو : تركيا تلوي أذرع من يواجهها شرقي المتوسط

وفي استطلاع الرأي الذي شمل العينة المستهدفة، جاء سليمان صويلو بأعلى نسبة في التصويت بين سبعة قادة أتراك، بينهم رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو، كما كشف الاستطلاع أيضا النقاب عن التحول الذي يشهده المزاج العام ليس فقط في الحزب بل على المستوى العام، حيث تنامى تأثير التيار القومي المحافظ على حساب ملي غوروش الذي يمثل العمود الفقري والقلب النابض للحزب، وبالطبيعة الحال التيار الأكثر ليبرالية داخل الحزب، والذي يمثله داود أوغلو، أو التيار التكنوقراط الذي يمثله باباجان،المهندس الاقتصادي في الحزب ووزيره، والذي يعكس دور الدين في الحياة العامة والسياسة الخارجية والتعليم والديمقراطية، ولا يهمل تفاعل الغرب وصعود اليمين الشعبوي الذي جعل من العناصر السابقة تتفاوت لدى الشارع التركي وخاصة الشباب.

 ونعود لما توصل اليه المركز الأمريكي لنتائج بعد طرحه لسؤال مباشر على  العينة المستهدفة: من يستطيع الاستمرار في إرث أردوغان وقيادة حزب العدالة والتنمية؟ .. ومرة ​​أخرى يبرز سليمان صويلو كمرشح أعلى بنسبة 19٪ ، يليه بيرات البيرق بنسبة 13٪ ، فأتى الرئيس المحبوب عبد الله جول ثالثًا بنسبة 8٪ وباباجان بنسبة 7٪ وأخيراً داود أوغلو بنسبة 6٪.

بإلقاء نظرة خاطفة على النسب والأسماء نجد أن كل الأسماء التي قدمت العام الماضي أصبحت من التاريخ، وآخرها الأقرب للمنافسة بيرات البيرق صهر رئيس الجمهورية ووزير ماليته  السابق، ورفيقه ليلة محاولة الانقلاب.

 ومع تكرار المركز للنفس الدراسة السابقة الذكر عام 2020، تغيرت النتائج بشكل طفيف، في حسابات الناخب المحافظ وخياراته، وسبق أن نوقش أن العدالة والتنمية هو الخيار الوحيد أو الخيار الأكثر حظًا على أقل تقدير، مما يعني أن الناخب بدأ نسبة منه تتأرجح، ومع ذلك ظلت ثقة الناخب في صويلو ثابتة أمام هذه التغييرات، ومع الخطاب الأخير الذي ألقاه أمام البرلمان قبل أيام، والذي حصد ملايين من الإعجابات، يبدو أن الرجل الذي بدأت أنظار العالم تتطلع إليه بعد مواقفه المعلنة من سياسات الغرب تجاه بلاده، وهو الخيار المر الذي يمكن أن يتجرعه الغرب  في خلافة مشروع تركيا القوية الذي أسسه أردوغان.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :ملاحظة هامة: الآراء الواردة في هذا الركن لا تمثل بالضرورة رأي أو توجه هيئة تحرير جريدة الثالثة، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها فقط.