من أجل تاريخ للمصطلحات السردية

من أجل تاريخ للمصطلحات السردية

2020-10-01T10:27:35+01:00
2020-10-01T10:27:40+01:00
مقالات الرأي
1 أكتوبر 2020
من أجل تاريخ للمصطلحات السردية
سعيد يقطين

لا يكاد يخلو نقاش عربي حول الرواية عامة، أو السرد بصفة خاصة، من طرح مسألة المصطلح السردي، ورغم كثرة ما أثيرت هذه المسألة، وما كتب حولها فإننا ما نزال، وسنظل نطرحها، ما دمنا لا ننطلق من رؤية مركزية لاستعمال المصطلحات، ونتفق على تصور خاص في توظيفها بعيدا عن أي رغبة ذاتية في التميز، أو اقتناع بأن ما نقترحه هو الأفضل. ولا يتأتى لنا ذلك إلا بالإنصات إلى الدلالات العميقة للمصطلحات التي نستعمل في علاقتها بالمجال الذي نشتغل به.
اعترض أحد الباحثين العرب على استعمالي لمصطلح «الراوي» في تحليل السرد المعاصر، بدعوى أن له حمولة قديمة وتقليدية. فكان جوابي: إن للمصطلح أيا كان المجال العلمي الذي يوظف فيه، تاريخا شأنه في ذلك شأن أي كلمة في اللغة الطبيعية. ويتحمل مصطلح الراوي مثلا المعنى الجديد الذي نعطيه إياه في سياق استعمالاتنا المعاصرة. وسيكون هذا المعنى مختلفا بالضرورة عن المعاني، التي ظل يحملها في تاريخ استعماله، تماما كما أن اختياره، وإعطاءه معنى جديدا له غايات ومقاصد، يجب ألا تخفى على المشتغلين في الحقل السردي.
إننا لا نولد المصطلحات في اللغة العربية لأننا لا ننتج النظريات التي تتطلب توليدها، ولذلك فمصطلحاتنا تنجم عن «الاجتهاد» في ترجمة ما نجده في اللغة المترجم عنها. تتعدد طرق هذا الاجتهاد بناء على الطريقة التي نفهم بها تلك النظريات، أو المصطلحات المتصلة بها. اعتمد الباحثون العرب في ترجمة، ما أسميه «الراوي» بالقاص، حينا، وبالحاكي، حينا آخر، وبالسارد ثالثا. حين استعملت السرديات هذه المصطلح كان الهدف منه التمييز بينه وبين المؤلف. لقد ظل التحليل النقدي للرواية الغربية، والعربية أيضا، قبل المرحلة البنيوية يتحدث عن الروائي باعتباره هو المؤلف، وينسب إليه كل ما يرد في الرواية، على غرار ما كان يمارس في التحليل الشعري حين يقال: قال الشاعر، فكانوا يقولون في تحليل الرواية: قال نجيب محفوظ. وحين تتحدث شخصية ما، يكتبون: قال نجيب محفوظ على لسان؟ إن الجديد الذي تحقق مع البنيوية في تحليل السرد انطلق من سؤال: من يتكلم في النص السردي؟ ومن هنا جاء اقتراح مصطلح «الراوي» تمييزا له عن الكاتب.
إن المصطلحات العربية التي وظفت لهذا الصوت، الذي يتحدث في الرواية، هي القاص أو الحاكي أو السارد أو الراوي، وحين نتأمل مصادر أسماء الأفعال لهذه الكلمات نجدها: القص، والحكي، والسرد، والرواية. إن القص والحكي والرواية تتصل مجتمعة بأنواع سردية: القصة، والحكاية (باعتبارهما نوعين قديمين). أما الرواية فـ(نوع جديد) ولا علاقة لها بالمصطلح القديم. أما كلمة «السرد» فلا تتصل بأي نوع سردي. نلاحظ أن مصطلح «القصة» له تاريخ. فالقصة في صدر الإسلام، تختلف عنها في فترات لاحقة، حيث صار من معانيها: المظلمة التي تقدم للوالي. كما أن القصة كنوع قديم لا علاقة لها بالقصة مع ظهور الطباعة. ويمكننا قول الشيء نفسه عن الحكاية، وعن القص والقاص.

درج الكثير من الباحثين العرب حاليا على العودة إلى المعاجم اللغوية، ومعاجم المصطلحات مثل: «التعريفات» و«الكليات» للبحث في بعض المصطلحات التي جاءت عن طريق النظريات الجديدة، ويحاولون تتبعها في مختلف هذه المصادر.

أما الحاكي والسارد فغير مستعملين. إن القاص هو الواعظ الذي كان يقف في المساجد ليحكي أخبار الأولين بهدف الوعظ. لكن مصطلح الراوي حين استعمل قبل الإسلام كان يحمل معنى الشخص الذي يروي، أي ينقل أقوال غيره من الشعراء أو الأعراب، وامتد ليتصل بالإسلام في رواية الحديث. أما السارد، فكان يتصل بصناعة الدروع، وبعد ذلك الأحذية. وكانت تطلق على الإسكافي. وفي القرآن الكريم: «أن اعمل سابغات، وقدر في السرد» إشارة إلى صناعة الدروع. كما أن «السرد: المسامير في الحلق، أو: ثقب الدروع، فيسد قثيرها». ثم تحولت الكلمة لتعني: ترتيب وتنظيم الأشياء المقدمة.
إذا دققنا في تاريخ هذه الاستعمالات في الثقافة العربية، سنجدها قد عرفت تطورا ملحوظا، وانتقلت من مجال إلى آخر، محافظة على حقل دلالي مشترك. وبدون وضع علاقات المفردات والمصطلحات بدلالالتها المتحولة، وانتقالاتها، لا يمكن أن نفلح في وضع المصطلحات وتوليدها. هكذا نلاحظ الباحثين الغربيين يعمدون إلى اليونانية أو اللاتينية لتوليد المصطلحات، وتوظيفها في لغاتهم الجديدة، محملينها أبعادا تحافظ على الحقل الدلالي، الذي كانت تحمله في أصل تشكلها. فمصطلح «السيميائيات» و«السيبرنيطيقا» ذات جذور يونانية، وتستعمل الآن لاختصاصات جديدة لا علاقة لها بالثقافات القديمة.
درج الكثير من الباحثين العرب حاليا على العودة إلى المعاجم اللغوية، ومعاجم المصطلحات مثل: «التعريفات» و«الكليات» للبحث في بعض المصطلحات التي جاءت عن طريق النظريات الجديدة، ويحاولون تتبعها في مختلف هذه المصادر، ويقفون عند هذا الحد، بدون مناقشة، أو إجراء يمكّن من تأصيل المصطلح، ثم يذهبون إلى الترجمة لتكرار ما هو سائد، أو لاقتراح مصطلح جديد، إن الرجوع إلى مصادر المصطلحات في استعمالاتها، وهي تتطور في التاريخ في اللغة العربية يبقى بدون نتيجة إذا كان المراد هو فقط تبرير مقابل لمصطلح أجنبي تم اختياره مسبقا. لقد اخترنا الراوي لدلالته غير النوعية على صوت سردي، ومصطلح السارد للدلالة على من ينتج السرد: أي الكاتب.

٭ كاتب مغربي

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :ملاحظة هامة: الآراء الواردة في هذا الركن لا تمثل بالضرورة رأي أو توجه هيئة تحرير جريدة الثالثة، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها فقط.