مصطفى يرثي والده و”شقَّه” محمد بن حذيفة الأنصاري

مصطفى يرثي والده و”شقَّه” محمد بن حذيفة الأنصاري

الثالثة
2021-07-05T11:45:02+01:00
مجتمع، صحةمقالات الرأيوجهة نظر
5 يوليو 2021
مصطفى يرثي والده و”شقَّه” محمد بن حذيفة الأنصاري

جدة – رثى الزميل الصحافي مصطفى الأنصاري* والده “محمد بن حذيفة”، وذلك بعد مرور أيام قلائل على وفاته، بكلمات مؤثرة، تحت عنوان ” رحيل مبكر رغم الثمانين”

وتالياً ما كتبه الأنصاري:

برحيل سيدي وشيخي الوالد محمد بن حذيفة، يوم الخميس الواحد والعشرين من ذي القعدة الحرام؛ تكون عائلتي الصغيرة والكبيرة، فقدت جبلها الأشم وعمودا لطالما كان ركنا شديدا، تأوي إليه في لحظات ضعفها وعسرها، فتجد دائما السلوان والرحمة والعطف والحنان والبذل والفداء، عن قلة ذات اليد ووهن في البدن، وتواضع وافتقار إلى الله، هو مصدر قوة الفقيد ومنبع ثقته وغناه وكرم نفسه وسمو غايته.

لم يكن الرحيل عاديا بالنسبة لأحبته على الرغم من عيشه رحمه الله عمرا مديدا استكثره على غير عادة الناس، فمنذ بضع سنين يجادل الوالدة حين يلمح إلى أوان الرحيل بأن أضرابه واسنانه من عائلته مضوا فلم يبق غيره، أو قلة في حالة لا يريد انتظارها، في أرذل العمر، لا حراك لهم إلا بأيدي أقاربهم، أو خدمهم، بينما ظلت جملته الأولى لمن سأله عن حاله، قوله رحمه الله “الحمد لله نعمة ربي علي كبيرة، فكل تحركاتي بجهد ذاتي، من غير سند إلى المسجد أو قضاء الحاجة”.

لكن على الرغم من ذلك، وسأمه من الحياة بعد الثمانين وشوقه للقاء ربه، فإن أهله وأحبته لم يكونوا مستعدين لفقده، مع تمهيده المتكرر وتعريضه بدنو أجله، كما تقول شريكته الوالدة وأحس زواره من خلصه مثل الشيخ عبد الرحمن الطاهر، أحد أبناء إخوته الذي قال إنه آنس منه ذلك يوم عيد الفطر المبارك.

 أما أبناؤه لكثرة مخالطته ومحبته فقد ظنوه سيبقى أكثر وأكثر. أليس الجد والده حذيفة تجاوز المائة؟ ألم يكن أقرب إليه وأشبه به سيرة وخلقا؟ أو ليس صحته تسمح بالمزيد، وقد عاش بضعة عشر عاما بربع قلب وبعض رئة وجلطة في الدماغ؟

من عاش بعد كل تلك الأزمات لا ينبغي أن يفجع أحبته برحيله قبل أن يكون طريحا سنين عددا. ألم يكن الصبور الذي لم تهن قناته قط، رغم صنوف الصعاب والمخاوف والأزمات؟ ما ضره لو صبر يسيرا، وبقي معنا قليلا؟

كان جوابه دوما لوالدتي، لا أريد أن يتعب من أجلي أحد حتى وإن كان أنت وأبنائي. وهكذا كان، لم يخيب ربه ظنه، بعد أن كادت الجلطة قبل عام تفقده القران، يوم أن استيقظ منها ووجده ممحيا كأن لم يكن. حينها سأل عن المصحف ليساعده في الاستذكار. ومن حسن الحظ أن ذلك أعان أطباءه النبلاء في مستشفى الملك خالد الجامعي بالرياض، على إنقاذ ما أمكن من ذاكرته، فلم يرحل حتى عاد إليه القرآن كما كان، وهو رأس ماله الأكبر، وجماعته وأقاربه ونسبه وحسبه. وقد كانت سورة “ق” في الثانية فجرا آخر ما نطق به، وهو قائم على كرسيه يصلي، قبل أن يفاجئ الوالدة جمود حركته فجأة، وهي التي اعتادت أن تأتم به إن لم يكن صلاة، فعلى الأقل إيناسا له وحضورا لختمته اليومية.

بحكم أنني ولده لست في موقع يسمح لي بالحديث عن مناقبه وفضله وأفضاله، حتى بعد موته طبقا لعادات العائلة البغيضة إلي، لكن أقاربه الآخرين أثلجوا الصدر بما هو أكثر وأكبر، مما نعرف وما لا نعرف ولم نتوقع، لدرجة أن صهره الفقيه مختار بن أنس الذي جربه في السراء والضراء لأكثر من 50عاما، قال إن والدك بمنزلة جده سعد بن معاذ، غير أن الوحي قد انقطع من السماء، وجعل يعدد ما تذكر وشهد وسمع من أهله وبني عمومته من الصالحين قبله.

ما ذا يرتجي ميت بعد عفو الله أكثر من هذا رضا وعطرا، بل إنه على المستوى العائلي واسى أحد ابنائه الأقربين عكرمة بن أبي بكر أبناءه بأن إجماع أمة من نحو 20 ألفا، هم عشيرته من الأنصار أبناء “انفا” في المشرق والمغرب على مناقبه لم يحدث منذ زمن بعيد في عائلتنا، هذا إن كان قد حدث أصلا في هذا الجيل.

أما أحد أبناء أبناء عمومته د.عبد القادر بن عبدالله يوسف، فلا أظنه إلا قد بالغ عندما أنزله في التقوى والولاية منزلة جد العائلة الأقرب محمد الأمين الملقب “حلاي”، الذي كان قبل الاستعمار الفرنسي في الصحراء الكبرى مثل محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية، وهو الجد الثالث لفقيدنا اليوم، وعليه تسمى خلق كثير، وبه تأثرت أمم وشعوب وقبائل، ولا تزال فاس  ومركز أحمد بابا في “تنبكتو” وفهارسها في كل مكتبات العالم، حافلة بمؤلفاته وفتاواه، هو وآباؤه واخوته وأحفاده، وكان آخرهم مشيا على نهجه العلمي والفقهي قاضي القضاة الشيخ الأجل عثمان بن عبد القادر بن سيد أحماد بن الفقي بن حلاي، الذي حزن عليه الوالد حزنا شديدا قبل أشهر حين سبقه لدار البقاء، بوصفه آخر حراس إرث جد الجميع “حلاي” فقها وعلما وفتوى على المذهب المالكي ودعوة إلى الله وورعا وتقوى.

ومهما قيل عن الراحل وحسن ظن أقاربه ومن عرفه، فإنه يبقى نقطة في بحر مما وجد ألصق الناس به، وشهدت شريكته سيدتي عائشة بنت محمد الصالح وأبناؤه، ففضله عليهم يتجاوز فضل الأب على أبنائه إلى منة المعلم والأخ والصديق والطبيب والمنفق.

كان لنا ذلك كله وأكثر، رحمه الله، ولذلك كان اليتم الروحي بفقده قاسيا وطاغيا، وهو الذي كان يصل قرابته للجد السابع فضلا عن أبنائه وأحفاده. ولا أظن أي نعمة حلت بي وبهم من صحة وسعة رزق وسائر ما ينعم به المولى المتفضل، إلا وكان التفسير أنها تنزلت ببركات دعوات الوالد، رفع الله درجته، وهذا ما أشار إليه ابنه البكر عبدالرحمن وهو يرثي نفسه واخوته يوم توديع سيده قائلا “نحن الأيتام بحق، أما الصغار الذين يعدهم الناس أيتاما، فتسد فراغهم اللقمة والشربة عكس الكبار”.

ومع ذلك لم أنس ولا أظن إخوتي ينسون أن والدنا رغم قلة ذات يده وتقاعده المبكر عن أي عمل لظروف شتى، إلا أن يده المباركة تجعل ما يقع فيها وتحت تصرفه سندا وملاذا للجميع. ولا اذكر أن أحدا قصده لحاجة وما أكثر الحاجات، إلا ونال منها الجزء أو الكل، برحابة صدر وروح ترى نفسك أمامها كأنك المنعم المتفضل.

ومن جميل لطفه ونبله؛ أن كان دائم التوصية بالوالدة، والسير على السنة وحفظ النفس، ثم يشرح قبل أن تستشكل ما حفظ النفس، بأنها “تقوى الله باتباع أوامره واجتناب نواهيه”، وهكذا استحق بالنسبة إلينا استعارة قول حسان بن ثابت في المفقود الأعظم “وما فقد الماضون مثل محمد…ولا مثله حتى القيامة يفقد”.

لم يكن من سجايا سيدي الوالد إظهار السخط من سلوك أي أحد مهما ظهر خلافه ما يرى، إلا أن ينصح بالسر والحسنى، وما جاءه أحد في حال صحته إلا وغادره وهو يظن أنه أحب الناس إليه وصاحب الحظوة عنده، كأنه يرعى الخواطر بالتساوي والقسطاس.

إن سأل من لم يعرفه ما خلقه، فهو سلامة الصدر وحسن الخلق وصلة الرحم، وأداء الطاعات والنوافل، كأنها له سجية مهما بدت شاقة كصيام الصيف وقيام الشتاء.

 رحمه الله وأنزله منازل الشهداء والصالحين، وقد غادر كما تمنى فقد صلى عليه جموع المسلمين في المسجد الحرام، ودفن في مقبرة المعلاة بجواره. كما سأل ربه سرا وجهرا، بعد خاتمة حسنة وسيرة حميدة، وقدوة حسنة لذويه وأحبته.

ومهما كتب شخص وقال عن بعضه وشقه يبقى قاصرا ومخلا، فقد أقر من قبل أرباب البيان والقلم بالعجز أمام هول الفقد ورثاء الأحبة. “ليبك عليك القلب لا العين إنني… أرى القلب أوفى بالعهود وأكرما”.

 

إنا لله وإنا إليه راجعون.

* كاتب وصحافي مهتم بقضايا السعودية والخليج والمغرب العربي. عمل في كل من صحيفة المدينة، والحياة، وشبكة “أو إس إن” التلفزيونية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :ملاحظة هامة: الآراء الواردة في هذا الركن لا تمثل بالضرورة رأي أو توجه هيئة تحرير جريدة الثالثة، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها فقط.