مخاطر سياسة التغطية على المخاطر

مخاطر سياسة التغطية على المخاطر

بلال التليدي

2019-11-10T14:43:58+01:00
2019-11-10T14:44:07+01:00
مقالات الرأي
10 نوفمبر 2019
مخاطر سياسة التغطية على المخاطر
بلال التليدي

هناك أكثر من سبب يدفع الذين يتخوفون من انهيار أسس السلم المجتمعي إلى دق ناقوس الخطر، فالدين حين يمس، أو حرمة الملك حين تنتهك، تدفع النخب التي تدرك طبيعة التكوين السياسي والثقافي للمجتمع لإعلان النذير.
لكن، هل نتوقف عند حدود التحذير، أم يتحمس الوجدان لإعلان الشجب، أم الأمر يستدعي طرح سؤال الوعي بمحددات هذه الظواهر؟
قد يعترض البعض على الجمع بين قضيتين لا ترابط بينهما في الواقع: رفع التجريم عن العلاقات الجنسية الرضائية في المجتمع، والجرأة على الملك في التعبيرات الغنائية أو السياسية.
والحقيقة أن هذا الاعتراض وجيه، فالقضيتان تبدوان في الظاهر متمايزتين، فما الذي يجمع من ينتصر للحريات الفردية، بمن سمح للتعبير عن المأساة الاجتماعية أن يقوده للمس بحرمة الملك؟
تكوين الدولة الدستوري والسياسي، يجعل قضيتي الدين والملك، ضمن دائرة واحدة (إمارة المؤمنين)، لهما نفس الدرجة من الشرعية، لكن، ما الذي يجعل إعلام الدولة ينتج خطابين متناقضين إزاءهما، الأول ينتصر للحريات الفردية، والثاني، يحصن حرمة الملك؟
سؤال يصعب تفكيكه دون معرفة السبب الذي يدفع البعض للجرأة على الملك وانتهاك حرمته؟ وكيف يتم فهم هذه الظاهرة، وكيف يتم التعاطي معها؟
لننتبه أن الجرأة السياسية تأتي من ثلاث حقول: حقل المجتمع السياسي غير الحزبي، وحقل التعبيرات الفنية، وحقل الملاعب الكروية.
أستعمل مصطلح “الحقل” بدلالته الصراعية كما استقرت في أدبيات “بورديو” للتأكيد على التحولات والتفاعلات داخل هذه الحقول، وكيف آل التحكم في بنياتها الهيكلية إلى انفلات ظواهر من تحت عباءتها، لا تكتفي بالنقد ضمن الأطر المرعية، ولكن تتجاوز الحدود والبنيات وحتى الأطر الدستورية.
لنتأمل أغاني ناديي الرجاء والوداد البيضاويين، وأغنيات نادي اتحاد طنجة التي أعقبتها، ثم لنتأمل لغة تعبيرات (الراب)الغنائية القاسية، ولنقس ذلك بتعبيرات حراك الريف وغيره، المتجاوزة للسقوف المتوافق عليها.
ليس هناك سبب وجيه يبرر التقليل من هذه الظواهر، وتحولاتها العميقة، ولا أظن أن الاعتبار الأمني، الذي يبنى دائما على الاحتمال الأسوأ، تجاهل قراءة تصاعد وتيرة هذه التعابير. لكن، مع ذلك، يغيب الفهم والوعي بالظاهرة، ويحاول الكل الاختفاء وراء الشجب والتنديد، حتى يتهرب من مواجهة هذا التحدي.
ليس ثمة شك ولا أدنى تردد، في أن بعض هذه التعبيرات أضحت مضرة، ومهددة للأسس، لكن، ثمة ما يشبه الرفض المطلق للربط بين سياسة الضبط والتحكم، وبين النتائج الخطيرة التي ينتجها، مع أن البعض كانت له في الآونة الأخيرة الجرأة للقول بأنه ليس هناك كلفة لاستهداف المخالفين الذين يصوغون معارضتهم بأناقة، سوى أن تنشأ شريحة، لم تتدرج في مستوى التعليم بشكل كاف، أو لم تستأنس التفكير ضمن الأطر الدستورية، ولا التعبير ضمن حدود اللياقة، تعبر عن طموحاتها وتطلعاتها بقسوة شديدة، وبلغة صادمة، تجر وراءها دمارا هائلا.
مفارقة عجيبة في مقارنة سلوك إعلام الدولة في الحالتين، المحافظة الشديدة في صيانة حرمة الملك، والتحررية الزائدة وإعلان الحرب ضد “المحافظين” في قضايا اعتبر الملك أن صفته كأمير المؤمنين تمنعه من أن يحرم فيها حلالا أو يحل فيها حراما.
البعض، سيخلص من المقارنة السريعة، بتجزأ مفهوم الحرية في سلوك السلطة، فتتسامح مع الحريات الفردية، وتتنكر لصور من الحريات السياسية.
لكن المشكلة في تقديري تتعلق بالوظائف التي تعلب القضايا الاجتماعية ضمن حقل سياسي، أكثر مما يتعلق بتمثلات مفهومية.
الظاهر، أن الموقف من الحريات الفردية يجعل الملكية والإسلاميين على أرضية واحدة، فلماذا إذن يخوض إعلام الدولة حربا ضد الإسلاميين في هذا الموضوع؟
ليس هناك من تحليل مقبول في هذا الإطار سوى استصحاب الوظيفة الإيديولوجية للصراع، فثمة حاجة لدى السلطة لإشعال نقاش ما، بحدة وحيوية وقوة استقطاب لخلق جاذبية مجتمعية في موضوع هامشي، على الأقل بالنسبة للدولة، التي حسمت أمرها في هذا الموضوع، للتغطية على الرسائل التي تبثها تلك الظواهر المسترسلة، لاسيما ما يتعلق بالربط بين سياسات التحكم ونتائجه الكارثية. وليس هناك مرشح أكبر لإضفاء حيوية على هذا النقاش أكثر من الإسلاميين.
النتيجة التي يفر الجميع منها هو أن التحكم في مختلف الحقول، لم يؤد فقط إلى ضعف منظومة الوساطة، بل أنتج ظواهر خطيرة تمس الإجماع، وبدلا من معالجة الظاهرة بمراجعات سياسية عميقة، يتم استصحاب تكتيكات إغراق الجمهور بنقاشات قيمية، لخلق دينامية وهمية تعطي صورة مصطنعة عن “مجتمع ديمقراطي” أو للتهرب من مواجهة آثار سياسات فاشلة.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :ملاحظة هامة: الآراء الواردة في هذا الركن لا تمثل بالضرورة رأي أو توجه هيئة تحرير جريدة الثالثة، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها فقط.