كيف تحولت الجزائر إلى «حلبة» للمُستشرقين؟

كيف تحولت الجزائر إلى «حلبة» للمُستشرقين؟

2020-10-11T18:23:41+01:00
2020-10-11T18:58:52+01:00
مقالات الرأي
11 أكتوبر 2020
كيف تحولت الجزائر إلى «حلبة» للمُستشرقين؟
سعيد خطيبي

من مُفارقات التاريخ الجزائري أن اللغة العربية عاشت حالاً أفضل قبل الاستقلال مما عاشته بعده، بل إن الكثير من الوثائق تنبهنا إلى أن الإدارة ـ آنذاك ـ ألزمت ما أُطلق عليه «مدارس الأهالي» (على خلاف المدارس الكولونيالية) على تدريس العربية، بل وظفت مُفتشين يحرصون على متابعة تعليمها، على غرار المُستشرق أوكتاف أود (1840ـ 1916) الذي كان من أوائل المستشرقين الذين أقاموا في الجزائر، تعلم العربية، كتب بها وترجم منها، بل حقق أيضاً مخطوطات تراثية، يُعد هذا المستشرق نموذجاً مهماً في محاولة فهم سبب توافد نظراء له على الجزائر، بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ففي تلك الفترة تحولت الجزائر إلى ما يُشبه «كعبة» المستشرقين، ليس فقط فرنسيين، بل أيضاً ألمانا وبريطانيين وأمريكيين، ثم صارت حلبة يتنافسون فيها.
ساد اعتقاد، بين أوساط نخبوية للأسف، يتقاطع مع المنظور السلطوي، مفاده أن أولئك الباحثين جاؤوا في بعثات تجسس لا أكثر، بينما الحقيقة تنقض ذلك القول، فقد كان لبعضهم فضائل ولا نزال نعود إليهم إلى حد اليوم.
لا نُنفي أن هناك من الفنانين من حل بالجزائر قصد تبيين هيمنة المُستعمِر على المُستعمَر، وتبرير الاحتلال، لكن هناك تفصيلا لا بد منه، فقد ساد منطق في الحملات العسكرية آنذاك أن يُرافقها في معاركها تشكيليون (في وقت لم تتح فيه آلة التصوير بعد) مهمتهم رسم جانب من المعارك (مثل لوحة: مصارع أبواب الحديد) لكن أولئك الفنانين سرعان ما اهتموا أيضاً برسم مشاهد من حياة الناس كذلك، ومناظر من مناطق عيشهم، وهي لوحات تعرض تحت مسمى (الاستشراق) مع أن غاية أولئك الفنانين تنويع نتاجهم، ولكن أيضاً لأغراض تجارية محضة، فقد كانت الغاليريهات في باريس مهتمة بالأعمال التي تصور الشرق، وقد نشطت تجارة تلك اللوحات، مع إقبال الأرستقراطية الفرنسية عليها، بالتالي لا نغمض أعيننا عن أن الاستشراق كانت له غايات ربحية لا أكثر، حيث استفاد أولئك الفنانون من توافد المشترين عليهم، مع ضعف حركة تنقل الناس إلى جنوب المتوسط، فتعريف المستشرق هو قبل كل شيء «رحالة» هو شخص على سفر، في مرحلة لم تسطع فيها بعد السياحة، لذلك استفاد الفنانون المستشرقون من جهل زبائنهم في الميتروبول، بتفاصيل الجزائر، وأقبلوا على تلك «الصنعة» قصد تأمين حياة آمنة لأنفسهم. ومن المفارقات أن نجد فنانين ظلوا في الجانب الشمالي من الأبيض المتوسط، لم تطأ أقدامهم يوماً «الشرق» مع ذلك فقد اشتهروا بلوحات استشراقية، ما يبرر أنها مسألة (بيزنس) وليس تسليعا للشرق، ولا مسألة (جاسوسية) كما تعود البعض مضغ الكلام دونما بحث أو تنقيب.

ساد اعتقاد، بين أوساط نخبوية للأسف، يتقاطع مع المنظور السلطوي، مفاده أن أولئك الباحثين جاؤوا في بعثات تجسس لا أكثر، بينما الحقيقة تنقض ذلك القول، فقد كان لبعضهم فضائل ولا نزال نعود إليهم إلى حد اليوم.

كما يحضر في هذا السياق مثال الفنان التشكيلي مكسيم نواري (1861-1927) الذي عاش طويلاً في فرنسا كفنان عصامي، قبل أن يصل إلى الجزائر، في زيارة علاجية، ثم يكتشف ما يمكنه أن يجنيه من بيع لوحات تصور الشرق، قبل أن يصبح من أبرز المستشرقين، تعرض لوحاته في متاحف أكثر من بلد.
لقد كانت الجزائر نقطة تحول في حياة بعض الفنانين، مثل أوجين فرومنتين (1820-1876) الذي قضى حياة في الرسم قبل أن يتحول كاتباً بعد اكتشافه الجزائر، قبلها لم يكتب شيئاً يذكر، واليوم يعرف خصوصاً بكتابه «صيف في الصحراء» (1857) دوّن فيه رحلته من شمال الجزائر إلى جنوبها، خلف وثيقة تاريخية مهمة في فهم طبوغرافيا البلد وتنوعه العرقي، من كان سينفعنا بتلك الكتابات التوثيقية، لولا جهد من اصطلح على تسميتهم «مستشرقون»؟
بمُجرد وصوله إلى الجزائر، أنشأ الاستعمار ما يُطلق عليه «المكاتب العربية» وهي إدارات اختصت في تصريف أعمال الأهالي، القانونية والعامة، كان لهذه المكاتب دور في استقطاب فنانين وكتاب وباحثين فرنسيين، من أجل تسهيل مهمة فهم خصائص العشائر الجزائرية حينذاك، وهنا وجب التفريق بين فنانين وكتاب مستشرقين، جاؤوا بمحض إرادتهم، وكتّاب وفنانين كولونياليين، جاؤوا استجابة لرغبة سياسية، فقد تصادمت هيئتان فنيتان اثنتان، منذ نهاية القرن التاسع عشر، من جهة «جمعية الفنانين المستشرقين الفرنسيين» تضمنت جماعتها المؤسسة ألفونس إيتيان ديني (يحمل واحد من المتاحف الوطنية اسمه) ومن جهة أخرى «الجمعية الكولونيالية للفنانين الفرنسيين». الجمعية الأولى كانت مستقلة، اتخذت من «فيلا عبد اللطيف» في الجزائر العاصمة مقراً لها، كانت تنشط بفضل اشتراكات الفنانين ودعمهم الذاتي لها، بينما استفادت الجمعية الثانية من دعم وزارتي المستعمرات والخارجية الفرنسيتين. إن فهم الخلاف العميق بين الجمعيتين يسهل لنا التفريق بين الفن الاستشراقي والفن الكولونيالي. انتهى دور الجمعية الأولى مع استقلال الجزائر (1962) بعد سحب المقر منها، وتوقف توافد الفنانين إليها، الذين كانوا يرسمون لوحاتهم، ثم يدفعون جزءاً من مبيعاتها إلى الجمعية، بينما استمرت الجمعية الثانية وصار اسمها ـ في ما بعد ـ «الجمعية الدولية للفنون الجميلة».
الاستشراق لم يكن يوماً مدرسة، ولا خاصية فنية له، عدا الديكور الذي يشتغل عليه، من مُطالعة سير أهم الفنانين المستشرقين سنجد نقاطا مشتركة بينهم، غالبيتهم كانوا من فناني الدرجة الثانية، يكسبون قوتهم من رسم ديكورات محلات تجارية أو مراكب بحرية، ثم وجدوا في الاستشراق فرصتهم في تعزيز مكانتهم ولفت الانتباه إليهم وكسب عائدات أفضل، على عكس الفنانين الكولونياليين، الذين قصدوا الجزائر، مستفيدين من منح وزارة المستعمرات، بل من بينهم فنانون كانوا موظفين في تلك الوزارة، يتقاضون راتبهم مقابل لوحات لا تخرج عن تصوير الحياة في «الشرق».
إن هذه النظرة النقدية الراديكالية التي يتبناها مثقفون ـ اليوم ـ تجاه الاستشراق، وما يعيبونه عليه من حصر الشرق في تصوير الجسد الأنثوي، والبحث عن الغرائبية، ليست سوى نظرة حديثة، ففي بداية القرن كان الناس ـ في جلهم ـ يُباركون الاستشراق، يحتفون به لأنه اهتم بهم، بعاداتهم ودينهم، فقد كان الجزائري مغلوباً على أمره إزاء المستعمِر، وتلك الأعمال الاستشراقية أشعرته كما لو أنه استعاد صورته وحقه في الكلام الذي انتزع منه.
لم يتأخر أن اتسع تأثير الاستشراق الفرنسي، قطع المحيط الأطلسي، ووصل مع بداية القرن الماضي إلى الولايات المتحدة الأمريكية، التي تعاملت مع الشرق بوصفه سلعة لا أكثر، ظهرت سجائر تحمل مسميات عربية، على غرار (كامل) وصورة علبتها الشهيرة التي يظهر فيها جمل من خلفه ثلاث نخلات وهرمان، إضافة إلى سجائر أخرى بأسماء عربية وأسماء مدن عربية، إلى جانب ذلك تنوعت أكسسوارات تتماهى مع الحياة الشرقية، ألبسة وأقنعة، ثم بدأ توافد كتّاب أمريكيين ورسامين على الجزائر، مستفيدين أيضاً من الهدوء النسبي الذي عرفته البلاد في الحرب العالمية الأولى، لم تعد الأرض الجزائرية «حلبة» للفنانين الفرنسيين وحدهم، بل بات ينافسه فيهم فنانون وكتّاب آخرون، بدون أن ننسى تأثير كلية اللغات الشرقية في باريس، التي بلغت ذروتها في القرن الثامن عشر، لكن يجب أن لا نهمل ما ذكرناه أعلاه، أن اللغة العربية في تلك المرحلة كانت تعيش حالة مستقرة، كان أوروبيون يتعلمونها في الجزائر، وهو أمر مستبعد الآن، فقد شرعت في فقدان وهجها منذ الاستقلال، مع الزج بها في صراعات هوية جانبية. لكن هل كل من رسم الشرق أو كتب عنه فهو مستشرق؟ هل يدخل في هذا الحيز مستشرقون وُلدوا وعاشوا كل حياتهم في الجزائر؟

منقول عن موقع القدس العربي

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :ملاحظة هامة: الآراء الواردة في هذا الركن لا تمثل بالضرورة رأي أو توجه هيئة تحرير جريدة الثالثة، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها فقط.