قصة ألف فارس أحدثوا الرعب في إيطاليا!

قصة ألف فارس أحدثوا الرعب في إيطاليا!

أسماء غازي
ثقافة، أدب، تاريخ
27 يوليو 2021

فرقة السلطان الفاتح تغزو ڤينيسيا


أراد محمد الفاتح أن يضغط على البندقية نفسيًّا، وعسكريًّا، واقتصاديًّا، وذلك لكي يُنهي الحرب بينهما، والمستمرَّة منذ عام 1463م، فقرَّر القيام بعمليَّةٍ عسكريَّةٍ نوعيَّةٍ غير مسبوقة، وكانت تتمثَّل في إرسال فرقة ميليشيات عسكرية لغزو إقليم الفريولي Friuli الإيطالي شرق مدينة البندقية، وذلك في عام 1477م..

والهدف تحطيم معنويات الشعب البندقي ليضغط على حكومته فتُعلن الاستسلام للفاتح، خاصَّةً أن إقليم الفريولي من الأقاليم الاقتصادية الذي يستثمر فيه أثرياء البندقية أموالهم ، فتهديده لا يعني الخطورة على الأرواح فقط، بل يعني كذلك تهديد الأموال البندقية، وهي عماد الدولة الرئيس.
 

كانت الفكرة مبدعة، ولكن التنفيذ كان أكثر إبداعًا!


تحرَّكت من إقليم البوسنة فرقةٌ عثمانيَّةٌ قوامها ألف فارس بقيادة عمر توراهان أوغلو بك Turahanoğlu Ömer Bey .

واخترقت كرواتيا بكاملها من الجنوب إلى الشمال، وكانت تتبع المجر آنذاك، ثم اخترقت سلوڤينيا، وكانت تابعةً في هذا الوقت لإمبراطوريَّة النمسا، وأخيرًا وصلت إلى مدينة جوريزيا Gorizia..

وعند مدينة جراديسكا Gradisca دارت معركةٌ سريعةٌ بين الفرقة العثمانيَّة والجيش البندقي، وكتب الله نصرًا كاسحًا للعثمانيِّين على البنادقة؛ إذ قُتِل في هذه المعركة قائد البنادقة چيرولامو نوڤيلا Girolamo Novella، وأُسِرَ عشرون ألفًا .
 

إنَّه حدثٌ كبيرٌ حقًّا!


كيف لهذه الفرقة العثمانيَّة الصغيرة أن تُحقِّق هذا النصر الكبير؟ وكيف لها أن تُسيطر على عشرين ألف أسير؟ وكيف تتحرَّك بهم هذه المسافات الطويلة دون اضطراب؟ ثم الأهم من كلِّ ذلك هو كيف لم يكتفِ العثمانيُّون بهذا النصر الساحق ويعودون أدراجهم بعد أن أحدثوا دويًّا صاخبًا في شرق إيطاليا؟

نقول هذا الكلام لأنَّه بعد هذا الانتصار المجيد أكمل العثمانيُّون غزوهم لإيطاليا غربًا متوغِّلين في إقليم الفريولي ليُحْدِثوا رعبًا لم يعرفه الإيطاليون منذ عقودٍ كثيرة!

حقَّقت الحملة نجاحًا كبيرًا عبَّر عنه المؤرِّخ الأميركي كينيث سيتون بقوله: «كانت حملة الأتراك فوق العادة» (extra ordinary) ، وقد ردعت هذه الحملة البندقية تمامًا، فلم تُفكِّر قط في ضرب سواحل الأناضول منعًا لإثارة الدولة العثمانيَّة، ولهذا يعتبر كينيث سيتون أنَّ هذه الفترة هي أكثر فترات الجمهوريَّة ظلامًا في كلِّ تاريخها .

وكانت تتمنَّى إنهاء الحرب مع العثمانيِّين بأيِّ صورة، لكنَّ كبرياءها وتاريخها ومصالحها المستقبليَّة، يمنعها من التقدُّم إلى العثمانيِّين بطلب السلام؛ لأنَّها تعلم أنَّ شروط الفاتح ستكون قاسيةً في هذه الظروف، أمَّا الفاتح فكان يعلم الوضع الرائع التي وصلت إليه دولته في هذه المرحلة، ولهذا لم يفتح الباب الدبلوماسي قط مع البندقية؛ إنَّما أراد استمرار الطَّرْقِ على الحديد وهو ساخن، ليُشَكِّل الأحداث وَفق إرادته هو لا إرادة البندقية، وهكذا استمرَّ سعيه الحثيث لإنهاء المسألة بالطريقة العسكريَّة، وهذا ما مهَّد للخطوة القادمة!

والتي أدَّت في النهاية إلى الاستسلام المهين لحكومة البندقيَّة والمعاهدة المخزية التي رضخت خلالها -بعد ستة عشر عامًا من الحرب- لشروط محمد الفاتح، وبها استطاعت الدولة العثمانية أن تُزيح من طريقها واحدةً من أعتى قوى أوروبا في ذلك الزمن!
 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :ملاحظة هامة: الآراء الواردة في هذا الركن لا تمثل بالضرورة رأي أو توجه هيئة تحرير جريدة الثالثة، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها فقط.