قراءة متأنية في أربع معارك كبرى في تاريخ الأندلس

قراءة متأنية في أربع معارك كبرى في تاريخ الأندلس

14 فبراير 2021

تاريخ الأندلس يشمل أكثر من ثمانمائة سنة كاملة من تاريخ الإسلام، وهي فترة ليست بالقليلة وقد وقع فيها كثير من المعارك بين المسلمين وغيرهم مما يتربصون بالإسلام، إلا أنه هناك أربع معارك كبرى تراوحت أحداثها ما بين نصر للمسلمين أحياًنا وهزيمة في حين أخر، وقصة المعارك في الأندلس قصة مؤلمة لأنها تسرد تاريخًا ومجدًا زاهرًا، وهذا المجد في الواقع قد انتهى وضاع، إلا أنه لا مناص عن قراءة صفحات هذا المجد السليب وهذا التاريخ الثري، لنقرأ كيف تقام الأمجاد وكيف تضيع.

المعركة الأولى: معركة بلاط الشهداء سنة 114هـ= 732م
من سنة 107هـ= 725م وحتى سنة 112هـ= 730م وعلى مدى خمس سنوات فقط تولى إمارة الأندلس ستة ولاة، وكانت هذه الفترة مليئة بالخلافات العرقية بين المسلمين، العرب من جهة والبربر الأمازيغ من جهة أخرى، ودارت بينهما مشاحنات ومعارك حتى منَّ الله على المسلمين بعبد الرحمن الغافقي الذي تولى في سنة 112هـ= 730 م، وقام بتوحيد الصفوف من جديد.

بعد أن وحد عبد الرحمن الغافقي المسلمين وتيقن أن قوة الإيمان قد اكتملت، توجه بالجيش ناحية فرنسا ليستكمل الفتح من جديد، وأخذ يفتح المدينة تلو المدينة حتى وصل إلى مدينة بواتيه التي تسبق باريس مباشرة، وكان بينها وبين باريس حوالي مائة كيلو متر تقريبًا، وعسكر عبد الرحمن الغافقي بجيشه الذي يصل إلى خمسين ألف مقاتل في منطقة تسمى البلاط، ثم بدأ في تنظيم الجيش لملاقاة جيش الفرنج البالغ عدده أربعمائة ألف مقاتل بقيادة شارل مارتل.

اندلع القتال بين الجيشين واستمر لمدة تسعة أيام لا غالب ولا مغلوب وفي اليوم العاشر حمل المسلمون على الفرنج حملة شديدة وكادوا ينتصرون إلا أن فرقة من فرسان الفرنجة استطاعت أن تخترق معسكر الغنائم في الجيش الإسلامي فتوجهت إليها فرقة من فرسان المسلمين مدافعة عن الغنائم، فاهتز قلب الجيش الإسلامي، ثم اهتز وضع الجيش جميعه مع هذه الحركة المفاجئة، وما كاد القائد عبد الرحمن الغافقي يحاول تجميع الصفوف من جديد حتى أصابه سهم ألقاه من على فرسه شهيدًا، وباستشهاده انهزم المسلمون هزيمة قاسية في تلك المعركة التي تعرف في التاريخ الإسلامي بواقعة البلاط أو بلاط الشهداء، وعرفت بذلك لكثرة من استشهد فيها من أكابر المسلمين والتابعين، وانسحب باقي جيش المسلمين وتوقفت الفتوحات الإسلامية في هذه المنطقة.

المعركة الثانية: معركة الزلَّاقة سنة 479هـ= 1086م
في أواخر حكم ملوك الطوائف استغل الإسبان تقسيم الأندلس إلى دويلات وصاروا يحتلون مدنها مدينة تلو أخرى، عندئذ استغاث أحد ملوك الطوائف وهو المعتمد بن عبَّاد أمير مدينة أشبيلية بيوسف بن تاشفين أمير دولة المرابطين بالمغرب والتي كانت حينئذ تحكم غرب إفريقيا كله، ولم يتردد ابن تاشفين في إنقاذ الأندلس، وتحرك بنفسه على رأس جيشه ليلتقي مع جيش الإسبان في معركة الزلَّاقة الشهيرة.

تحرك ثلاثون ألف مقاتل بقيادة يوسف بن تاشفين ليصلوا إلى الزلاقة، وهو ذلك المكان الذي دارت فيه الموقعة والتي تُعد من أشهر المواقع الإسلامية في التاريخ، واستعد الإسبان لقدوم يوسف بن تاشفين فجمعوا عددًا ضخمًا من المقاتلين بلغ في بعض التقديرات أكثر من ثلاثمائة ألف مقاتل على رأسهم ألفونسو السادس بعد أن جاءه العون من الممالك في فرنسا وإيطاليا وغيرها.

هجم ألفونسو السادس بجيشه الضخم على الجيش الإسلامي واستحر القتل فيهم، ولكن المسلمين ثبتوا وصبروا صبرا لم يعهد مثله لأحد، واقتتل الطرفان قتالًا عظيمًا حتى تفللت السيوف وتكسرت الرماح، وبعد أن أنهكت قوى الطرفين وبعد طول صبر هجم يوسف بن تاشفين على معسكرات الجيش النصراني فأضرمها نارًا وأحرقها وقتل من كان بها، وحين رأى النصارى النار تشتعل في معسكراتهم ارتاعت قلوبهم وتجلجلت أفئدتهم، وبدأ الاضطراب والتراجع في صفوفهم وحدثت خلخلة عظيمة في جيشهم وكثر القتل فيهم.

أدرك ألفونسو وقادته وفرسانه أنهم يواجهون الموت، إذا استمروا في موقفهم، وعندئذ لجأ ألفونسو في عدد من جنده إلى الانسحاب من المعركة واحتموا بتل قريب حتى دخل الليل فساروا تحت جنح الظلام، وتقدر الرواية من أفلت مع ألفونسو نحو أربعمائة أو خمسمائة فارس، معظمهم جرحى، وكانت صفوف النصارى قد مزقت عندئذ في كل ناحية شر تمزيق، وتعالت أكوام الأشلاء والجرحى، وطورد الفارون في كل مكان، وهلك كثيرون منهم أثناء المطاردة، ولم ينقذ البقية الباقية من النصارى سوى دخول الظلام، وغنم المسلمون كل ما لهم من مال وسلاح ودواب وغير ذلك، غير أنهم استشهد منهم حوالي ثلاثة آلاف رجل.

المعركة الثالثة: معركة الأرك سنة 591هـ= 1195م
تولى أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي حكم دولة الموحدين سنة 580هـ= 1184م، وكان رجلًا حازمًا موهوبًا في شئون الإدارة والقيادة وأصبحت جيوش الموحدين في أيامه قوة ضاربة كبرى، وبعد توليه أخذ يفكر في كيفية القضاء على الثورات الداخلية وإيقاف أطماع قشتالة والبرتغال في بلاد الأندلس، وكان المنصور يميل إلى الانتهاء من أمر المتمردين أولًا فتوجه للقضاء عليهم ولكن توالت عليه كتب أهل الأندلس التي أخبرته أن هناك طائفة جمعت جمعًا من الفرنج وخرجوا إلى بلاد الإسلام فقتلوا وسبوا وغنموا وأسروا وعاثوا فيها عيثًا شديدًا واجتمع معهم ألفونسو الثامن ملك قشتالة، عندئذ عدل المنصور عن أمر المتمردين وبدأ يفكر في العبور إلى الأندلس.

انطلقت الجيوش الإسلامية من المغرب إلى بلاد الأندلس لتلتقي مع قوات الصليبيين بجنوب طليطلة في موقعة الأرك التي ما برح التاريخ يذكرها ويجلها، كانت جيوش النصارى بقيادة ألفونسو الثامن ملك قشتالة في قوة يبلغ قوامها 225 ألف جندي، وقد أحضروا معهم بعض جماعات من اليهود لشراء أسرى المسلمين بعد انتهاء المعركة لصالحهم ليتم بيعهم بعد ذلك في أوربا، وعلى الجانب الآخر فقد أعد أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي جيشًا كبيرًا بلغ قوامه 200 ألف مسلم.

في ضحى يوم الأربعاء 9 من شعبان سنة 591ه= 18 يوليو سنة 1195م نشبت معركة الأرك بين الطرفين، وكان موقع الجيش القشتالي فوق تل كبير، بينما كان المسلمين أسفل ذلك التل، وبدأ اللقاء ونزل القشتاليون في صفوف كالسيل الجارف، يصدرون أصواتًا مرعبة وضوضاء وضجيج يريدون إلقاء الرعب والهون في صفوف جيش الموحدين، والتحم الجيشان وبدأ الهجوم القشتالي على ميسرة الجيش الموحدي مما جعل الخليفة المنصور يتجه بنفسه نحو الميسرة ليثبت الصفوف ويحض الجنود على الصبر والمثابرة.

اشتد القتال بين الفريقين، وسالت الدماء بغزارة، وكثر القتلى في صفوف القشتاليين، وما زال الخليفة المنصور يحث جنده على مزيد من الثبات والهجوم حتى جاء النصر وبدأت الهزيمة في الجيش القشتالي، وتقهقروا وولوا الأدبار نحو حصن الأرك حتى أن ألفونسو الثامن نفسه ولَّى من المعركة في نحو عشرين فارسًا من أصحابه ولم يتوقف إلا في طليطلة، وأحاط المسلمون بحصن الأرك وأضرموا النار في أبوابه، وأخذوا كل مافيه، وتبدد الجيش القشتالي بين القتل والأسر، فقيل: وصل عدد قتلاهم إلى 146 ألف، وعدد الأسرى بين 20 و30 ألف، أيضًا حصد المسلمون من الغنائم 80 ألف من الخيول و100 ألف من البغال وعدد كبير من الخيام وغير ذلك مالا يحصى عدده، وبهذا النصر الكبير ارتفع نجم دولة الموحدين كثيرًا، وارتفعت معنويات الأندلسيين ومعنويات المسلمين في كل بلاد العالم الإسلامي، وتمت معاهدة جديدة بين قشتالة والمسلمين على الهدنة ووقف القتال مدة عشر سنوات أراد المنصور أن يرتب فيها الأمور من جديد في بلاد الموحدين.

المعركة الرابعة: معركة العقاب سنة 609هـ= 1212م
بعد أربع سنوات فقط من الانتصار العظيم في معركة الأرك توفي أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي سنة 595هـ= 1199م وتولى من بعده ابنه الناصر لدين الله وكان عمره آنذاك حوالي سبعة عشرة سنة، وكان شابًا طموحًا قويًا مجاهدًا لكنه لم يكن في كفاءة أبيه، وفضلًا عن هذا كانت البلاد محاطة بالأعداء من كل جانب والنصارى بعد لم ينسوا هزيمتهم في موقعة الأرك، التي كانت قبل سنوات قلائل، ويريدون أن يعيدوا الكرة من جديد على بلاد المسلمين، ومن هنا تجدد الأمل عند ألفونسو الثامن الذي استغل ظروف صغر سن الخليفة فعمل على تجهيز العدة لرد الاعتبار فهجم على بلاد المسلمين، فنهب القرى وأحرق الزروع، وقتل العزل.

كانت هذه بداية حرب جديدة ضد المسلمين يقودها ألفونسو الثامن ملك قشتالة بل البابا في روما بنفسه وحَّد دول أوروبا وأعلنوها حربًا صليبية، وأعدوا لذلك جيشًا بلغ عدده 200 ألف جندي يتقدمه الملوك والرهبان نحو موقعة فاصلة بينهم وبين المسلمين، وفي المقابل كان الناصر لدين الله قد أعلن الجهاد، وجمع المجاهدين من بلاد المغرب والأندلس حتى بلغ عددهم مبلغًا عظيمًا أوصلته بعض الروايات إلى نصف مليون جندي، وانطلق الناصر لدين الله من بلاد المغرب إلى الأندلس بهذا العدد الكثيف من المسلمين حتى وصل إلى منطقة العقاب وهي تلك المنطقة التي دارت فيها الموقعة، والتي عرفت بهذا الاسم لوجود قصر قديم فيها كان يسمى قصر العقاب.

بدأت أحداث المعركة وهجم المسلمون على مقدمة النصارى، لكنهم ارتطموا ارتطامًا شديدا بقلب جيش القشتاليين المدرب على القتال، فصدوهم بكل قوة وقتلوا منهم الآلاف في الضربة الأولى لهم، ونتيجة لذلك ارتفعت معنويات الجيش القشتالي وهبطت معنويات المسلمين، مما أدى إلى فرار بعضهم من أرض القتال لـمَّا رأوا استشهاد الآلاف منهم، وحين رأى ألفونسو الثامن ذلك التف حول جيش المسلمين، وبدأ الهلكة فيهم، فقُتل الآلاف من المسلمين وانهزموا هزيمة قاسية، وفر الناصر لدين الله من أرض الموقعة، ومعه فلول الجيش المنهزم المنكسر، والمصاب في كل أجزاء جسده الكبير، وسمي ذلك اليوم بيوم العقاب أو معركة العقاب، وقد تدهور حال المسلمين كثيرًا بعد هذه الهزيمة في كل بلاد المغرب والأندلس، حتى قطع المؤرخون بأنه بعد موقعة العقاب ما كنت تجد شابًا صالحًا للقتال لا في بلاد المغرب ولا في بلاد الأندلس، فكانت موقعة واحدة قد بددت وأضاعت دولة في حجم وعظم دولة الموحدين[1].

[1] دكتور راغب السرجاني: قصة الأندلس من الفتح إلى السقوط.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :ملاحظة هامة: الآراء الواردة في هذا الركن لا تمثل بالضرورة رأي أو توجه هيئة تحرير جريدة الثالثة، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها فقط.