قراءة في كتاب: شمس العرب تشرق على الغرب

قراءة في كتاب: شمس العرب تشرق على الغرب

ثقافة
9 يناير 2020

مقدمة

     تتحدث المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه في هذا الكتاب عن العرب وحضارتهم، هذه الحضارة التي أسهم فيها علماء من ديانات متعددة، من مسلمين ومسيحيين ويهود وصابئة، إضافة إلى مفكرين من عدة أعراق كالفرس والهنود والبربر والقوط، وذلك وفق درجات مختلفة وكيفيات متباينة، وتم كل هذا في إطار لغة علمية موحدة هي اللغة العربية، وفي ظل دين سمح هو الدين الإسلامي… لتكون بذلك الحضارة العربية حضارة عالمية ذات إشعاع كوني. أما الإنسان الغربي فلا يكاد يلقي لهذا الإشعاع بالا، حيث يرى أن تاريخ العلوم والفنون والآداب بدأ بمصر القديمة وبابل، ثم توسع وتشعب ببلاد الإغريق وروما مرورا عابرا ببيزنطة، منتقلا بعد ذلك إلى القرون الوسطى المسيحية لينتهي في آخر المطاف إلى العصور الأوروبية الحديثة. أما عن دور العرب الحضاري فقد تم حصره في دور الناقل أو الوسيط بين التراث العلمي اليوناني والغرب اللاتيني.

      قسمت زيغريد هونكه مؤلفها إلى سبعة كتب، وضعت تحت كل واحد منها عدة فصول، وسنعمل فيما يلي على استجلاء أهم الأفكار التي ينطوي عليها هذا السِفرُ المُميز.

الكتاب الأول: لرفاهية حياتنا اليومية (يحتوي أربعة فصول)

    تحدثت المؤلفة في هذا الفصل عن تغلغل اللغة العربية بمفرداتها الأصيلة في شتى مناحي حياتنا المعاصرة، ساردة لنا قصة للإنسان المعاصر الذي يقصد مقهى في مدينة من مدن اليوم،  فيجد العديد من الكلمات المتداولة فيها والتي تعود أصولها للاستعمال العربي: مثل القهوة والبن والطاسة وكذلك السكر… وتُرجع هونكه ذلك لعملية التأثير التي مارستها البلدان الشرقية على أوربا في عصرها الوسيط، وقد كان هذا التأثير مصاحبا لحركة تجارية مهمة بين الشرق الغني بكل أنواع الثروات والغرب الجائع المتعطش، وقد دخلت البضائع الواردة من الشرق إلى الحياة اليومية الأوروبية بفضل الوساطة العربية، مواد من قبيل الشمع والبهار والقرنفل والخلنجال… وكانت البندقية هي من جنى ثمار هذا التبادل في البضائع والسلع بين الشرق والغرب. حطمت بيزنطة عام 961 م السيطرة العربية على جزيرة “كريت” فأصبح بذلك طريق الشرق حرا منفتحا، لتبدأ عملية توثيق علاقات الأعمال التجارية مع عرب الشرق، وهكذا بات التاجر الأوروبي – من البندقية أو جنوه – يمضي عادة ستة أشهر أو أكثر يعيش خلالها في المحيط العربي ويتنفس جو الحضارة العربية ناقلا للغرب أسباب الرخاء والتحضر من خلال ما ينقله من بضائع وتوابل الشرق.

   تؤكد الكاتبة على أن ثروة البندقية كان مردها إلى العلاقة التجارية القوية التي جمعتها بالعرب، فتجارة العرب العظيمة وطدت علاقة القارات بعضها ببعض وصهرتها في بوثقة واحدة، وبالنسبة للأوروبيين فإنهم لم يكتفوا باستيراد كل منتوج تجود به البواخر العربية فحسب، بل استلهموا كذلك رموز العرب الثقافية: (كالأسد رمز الملكية الانجليزية والنسر رمز الملكية الألمانية والنمساوية…) وهي رموز عربية نراها عند ملوك السلجوقيين وغيرهم.

    لقد كان عرب الأندلس أول من استخدم القذائف النارية في أوروبا لأهداف عسكرية فأصبحوا أساتذة الأوروبيين في هذا المجال. إضافة إلى تقنيات بناء المطاحن التي كانت اختصاصا عربيا حققه العرب، ومنحوا بذلك أوروبا كل أنواع المطاحن المائية والهوائية… أما مجال الملاحة فقد كان الحقل الأكثر تعبيرا عن التأثر الأوروبي بالإبداع العربي، يبرز ذلك مثلا في انتقال بعض الأسماء المتعلقة بهذا المجال، كأسماء أنواع السفن كـالدوّ Daw، أو أسماء من قبيل دار الصناعة Arsenal، أمير البحر  Admiral…

    وبجانب ذلك شمل التأثر بالثقافة العربية كل مناحي الحياة بدءا بأنواع المأكولات الجديدة كالسبانخ والبرتقال والرز والتوابل (كالزعفران…) والسكر… مرورا بالأزياء: القلنسوة والجاكيت وكذا العطور وبناء الحمامات وارتيادها، وانتهاء بالحلاقين والمزينين الذين غيروا الإنسان الأوروبي. ولم يكن كل هذا ليحدث لولا جسور التواصل التي بنتها السفن الإيطالية والحجاج والتجار المسيحيون، مما غير وجهة أوروبا للأبد.

الكتاب الثاني:  العالم والأرقام (أربعة فصول)

    بينت زيغريد هونكه في هذا الفصل أن كل الأمم تستعمل اليوم الأرقام التي ورثتها عن العرب، بل إن نظام قراءة الأعداد الذي ابتكره العرب هو نفسه الذي يتبعه الجميع في قراءة الأرقام بدءا بالوحدات من اليمين إلى اليسار… ورغم أننا نسميها بالأرقام العربية نظرا لأننا أخذناها عن العرب، إلا ان هؤلاء أنفسهم يسمونها بالأرقام الهندية حيث أخذوها عن الهنود الذين ابتكروا أسلوب كتابة الأرقام في الخانات ليحلوا مشكلة الأرقام الكبيرة، ويعتبر الخوارزمي صاحب كتاب الجبر والمقابلة أبرز من علم الغرب الحساب بعدما ترجم “إدلار فان باث” كتبه إلى اللاتينية وعرف الغرب بها. وكان بابا الفاتيكان “سلفستروس الثاني” أول من استعمل الأرقام العربية التسعة في الحساب، وقد كتبها على اللوح نفسه الذي كان يستعمله الرومان والمسمى بـــ”أباكوس” Abceus، ويرجع عشقه لثقافة وعلوم العرب إلى احتكاكه بالتجار العرب الذين كانوا يستثمرون بعض الإجراءات العلمية (الرياضية) في أمروهم التجارية.

لم يكن بابا الفاتيكان ذاك وحده من تأثر بهذه المعارف والعلوم عن طريق المعاملات التجارية، بل إن Leonardo Fibonacci التاجر الإيطالي والعالم المرموق كان هو الآخر على احتكاك دائم مع التجار العرب، إذ ولد في بيزا ذات الميناء الزاخر بالتجارة مع المشرق وشمال إفريقيا، الأمر الذي جعله في تواصل دائم مع هؤلاء التجار حيث تعلم منهم طرقهم في الحساب ومنهج الكتابة العربية للأرقام … كما زار تونس والإسكندرية ودمشق وناقش أيضا علماء القاهرة. وفي الثالثة والثلاثين من عمره ألف  كتاب Liber Abaci  الذي أدخل فيه لأول مرة الرقم صفر وعرّف الغرب به، ويعد هذا الكتاب من بين أهم الكتب الرياضية في العصر الوسيط الأوربي إذ يُعزى إليه تقريبا البداية الفعلية للعلم الرياضي في تلك الفترة.

     وقد خاضت الأرقام العربية صراعا مريرا وطويلا قبل تفرض نفسها على العالم الغربي، فالأمر احتاج برمته إلى عدة قرون قبل أن تخر الأرقام الرومانية صريعة أمام الأرقام العربية، حيث إنه بمجرد شيوع استعمال الأرقام العربية حتى أصبح استخدام الأرقام الرومانية مدعاة للسخرية من لدُن الجميع، إذ فرضت الأرقام العربية نفسها في بلاد الغرب وقامت بدورها في العلوم والرياضيات والاقتصاد على مر الأيام خير قيام …

الكتاب الثالث: السماء التي تضللنا (خمسة فصول)

    تستهل المؤلفة الفصل الأول من هذا الباب بلمحة تاريخية عن العصر العباسي، مشيرة إلى أنه في عصر الخليفة هارون الرشيد صاغ العرب كل أسماء النجوم والكواكب عندما ترجموا أعمال الفلكي الكبير ابرخس (Hipparch)، مما جعل أسماء الكواكب فيما بعد ثابتة وذات أصل عربي: كالغول (Algol) والكور (Alkor) والطير (Attalr)، ولم ينحسر ذلك في أسماء النجوم بل تعداها إلى الرموز الفلكية: كالسمت (Zenith) والنظير (Nadir) …

    ويعد موسى وأبناؤه أحمد وحسن وهارون من أهم الشخصيات العلمية آنذاك، إذ برعوا في كل ضروب المعرفة، كإلمامهم بالفلك وعلم النجوم، وكذا اختراعات أحمد بن موسى الرائدة في الميكانيكا وألعاب الأطفال إضافة إلى الآلات المنزلية التي سهلت كثيرا من حياة سيدات المنازل في ذلك العصر. وفي ظل هذه العائلة (بني موسى) تفتقت عبقرية خلاقة احتلت مركزا مرموقا بين العلماء العرب، ونعني بها ثابت بن قرة الذي اكتشف موهبته العلمية الفذة محمد بن موسى. وقد ترجم ثابت بن قرة هذا لبني موسى عددا كبيرا من الأعمال الفلكية والرياضية والطبية لأبولونيوس وأرخميدس وبطليموس… كما عمل على تصحيح ترجمات حنين بن إسحاق.

     بينت المؤلفة كذلك دور العرب في تطوير علم الفلك والميكانيكا، حيث عملوا على بناء العديد من المراصد الفلكية، وكانت الأبحاث التي حققوها في علم الهيئة والتنجيم تلبية لحاجاتهم اليومية، وقد تطورت حتى أصبحت أساسا جديدا لعلم الفلك، وكان اهتمامهم الخاص بعلم الفلك نابعا بالأساس من العلاقة التي تربطه ببعض الأمور المرتبطة بالشعائر الدينية كمعرفة مواقيت الصلاة وحركة القمر… ويعد المرصد الذي بناه نصير الدين الطوسي بدعم من هولاكو من أهم المراصد التي عرفها العالم الإسلامي. كما وُفق العرب كثيرا في تطوير الإسطرلاب، بل واخترعوا آلات أخرى جديدة منطلقين من ربع بطليموس الفلكي البسيط فصنعوا الربع المتنقل، كما امتازوا بمهارة فائقة في اختراع ساعات الشمس وأعطوها شكلا دائريا يتوسطه محور ظاهر… كما برعوا في صنع الساعات التي تسير على الماء وعلى الزئبق وعلى الشمع المشتعل والأثقال المختلفة.

كما أشارت المؤلفة إلى أن الغرب ليس هو من أسس فعليا للبحث العلمي، إنما السباقون في هذا المضمار كانوا هم العرب، ويتجلى هذا فيما حققه ابن الهيثم لم يكن في علم الطبيعة بفضل التأمل النظري والتجربة الدقيقة، حيث أحرز تقدما باهرا في علم البصريات … وأول ما خطه في هذا الموضوع كان مخطوطا بعنوان: “في طبيعة إلقاء الظل”. كما كان أول من أجرى تجارب بواسطة نوع من الآلات (آلة الثقب) التي هي صورة أولى لآلة التصوير فيما بعد. إضافة إلى اهتمامه بتعليل ظهور الهلال، والغسق، وقوس قزح، ناهيك مما شملته أبحاثه عن الآلات البصرية والانعكاسات الضوئية.

لم يكن إبداع العرب في مجال الرياضيات بأقل منه في علم الفلك، وكان الخوارزمي أول من طور فن الحساب وجعل منه فنا صالحا للاستعمال اليومي العملي، مفيدا بقية العلوم بعد أن وسع فيه ونظمه تنظيما دقيقا، إضافة إلى إسهاماته المهمة في علم المثلثات Trigonometrie. ويُعزى للعرب وضع الرياضيات في قالب جبري حسابي بدلا من الإطار الهندسي الإغريقي القديم.

     أما عن علم التنجيم فلا جرَم أنه قد بلغ – بفضل التفات العرب إليه – عصره الذهبي في وقت كان لا يزال فيه علم الفلك يخطو خطواته الأولى، ومن بين السيل الدافق من المنجمين ومدعي التنجيم الذين عرفتهم الحضارة العربية يمكن الإشارة إلى فيلسوف برز اسمه بروزا واضحا بفضل كتاب له يدور حول التنبؤات الجوية (رسالة في علل أحداث الجو) ألا وهو فخر الدين الرازي.

الكتاب الرابع: الأيادي الشافية (تسعة فصول)

     تستهل زيغريد هونكه هذا الكتاب في فصله الأول بالحديث عن فن التطبيب في أوروبا خلا القرون الوسطى حيث كانت العناية بالصحة والمرض منوطة بالقساوسة في أديرتهم، وقامت على منهج عقيم همجي يغلب عليه طابع الخرافة والأسطورة الممزوجة بمعتقدات المسيحية إذ كان يصوَر المرض على أنه عقاب إلهي، أما العلاج فكان تعذيبا همجيا أكثر منه بحثا عن العلاج العلمي كما هو الحال عند العرب، الأمة الأكثر تحضرا و تقدما في فن الطب والعلاج. وبينت هونكه حجم التطور الذي عرفه الاستشفاء وعلم الطب في الشرق آنذاك، إذ انتشرت المستشفيات في معظم المدن العربية، حيث نجد في قرطبة وحدها  مستشفى 50، إضافة إلى مستشفيات أخرى مهمة كـ”المستشفى الناصري” في القاهرة و”مستشفى النوري” في دمشق … وتوفرت في جلها كل وسائل الرفاهية والراحة من أسرة وحمامات… وكان يُراعى في بناء المستشفيات مجموعة من الأمور كبعدها عن الضوضاء وعن الأماكن الأكثر قابلية للتعفن…

     لم يكن تأسيس المستشفيات وقفا على الخلفاء، بل شمل أيضا مساهمات أطباء مرموقين أمثال: “سنان بن ثابت” و”ثابت بن سنان” و”ثابت بن قرة” وحفيديه، كما لم تكن هذه المستشفيات الكبيرة مجرد مراكز للاستشفاء، وإنما كانت أيضا عبارة عن مدارس عليا للطب يتلقى فيها الطُلاب أسس ومبادئ وتفاصيل المعرفة الطبية جامعة بذلك بين شقي هذا العلم، أي جانبه النظري والتطبيقي.

     أنجبت هذه الحضارة مجموعة من الأطباء المميزين، ويمكن الإشارة هنا إلى أحد “فخر الدين الرازي” باعتباره أحد أبرز العقول التي شهدتها هذه الحضارة، فقد امتاز بمعارف طبية شاملة لم يعرفها أحد قبله قط منذ أيام جالينوس، مخلفا وراءه 230 عملا ضخما وترجمات ومخطوطات في الطب والفلسفة والعلوم الشرعية والفيزياء والفلك، أعمال من قبيل: “أسباب جذب المغناطيس للحديد”، كتاب “شكل العالم” “الطب الروماني” و”الشكوك على جالينوس”… ولا شك أن هذا الكتاب الأخير يبرز بكل وضوح تلك النظرة النقدية التصحيحية الخلاقة التي امتاز بها علماء هذه الحضارة إزاء تراث القدامى، وهو ما ينفي تلك الصفة التي ألصقت بهذه الحضارة باعتبارها مجرد قنطرة مرت من خلالها الأعمال العلمية اليونانية إلى أوربا الوسيطية.

    كان الرازي يهتم اهتماما كبيرا بعوامل الحرارة والرياح والرطوبة وإنارة البيوت ونقاوة هوائها ومائها وإمكانات الاغتسال الذي لم تر فيه أوروبا إلا إثما وعارا، وكان يفضل النباتات كعلاج على العقاقير. وعلى العكس من أبقراط الذي رفض علاج المرضى الميئوس منهم، فإن الرازي اعتبر أن الطب منوط به علاج كل الحالات، فكان أول طبيب يفكر بعلاج الحالات الميئوس منها.

    كان أبقراط يرى أن الطفل في جوف الأم يتحرك تلقائيا، فجاء علي بن العباس ليكون أول من قال بحركة الرحم التي تدفع بالثمرة إلى الخروج بواسطة انقباض عضلاته. كما عارض ابن سينا بعض الأطباء القدامى فيما ذهبوا إليه من كون الأنسجة الطرية كالماغ والأنسجة القاسية كالعظم أنها لا تلتهب أبدا، وكان أول من اكتشف التهابات غشاء الدماغ المعدية ووضعِ أول وصف لتشخيص مرض تصلب الرقبة والتهاب السحايا بشكل واضح يضاهي ما نفعله في أيامنا هذه.
كما رسم الرازي في رسالته عن “الحصبة والجذري” صورة كاملة للمرض ظلت مرجعا أولا وأخيرا في أوروبا حتى القرن 18. وفي النصف الثاني من القرن التاسع قدم ابن مسكويه صورة شاملة لمرض الجذام (البرص) كمرض معد لا علاقة له بعقاب الله أو غضب السماء، وفي الوقت الذي قام فيه الأوربيون بعزل المرضى المصابين بالأمراض العصبية والمستعصية على العلاج كالجذري والطاعون، قام العرب بإنشاء أجنحة خاصة في مستشفياتهم للاعتناء بمثل هذه الحالات.

     أما في علم الجراحة فقد برز الجراح الأندلسي أبو القاسم الزهراوي الذي أدخل تجديدات كثيرة في علم التشريح وإجراء العمليات وحالات النزيف… كما طور العرب العديد من المجالات الطبية كطب العيون ومعالجة تشوهات المفاصل والعظام Orthopadie… وتوزعت هذه المجالات على العديد من الكتب المختصرة والموسوعات الضخمة وكذا جداول للطلاب في شكل أسئلة وأجوبة وكتب تمهيدية، وكانت عن حق مراجع أنارت سبيل البشرية لمدة قرون، مراجع طبية كـ”الحاوي في الطب” للرازي و”تقويم الأبدان” لابن جزلة، وكتاب القانون للرئيس ابن سينا… كما مكنت ترجمات حنين ابن إسحاق وابن رضوان صاحب كتاب الأصول من إيصال تراث القدامى ووضعه في متناول الأطباء العرب، وتميزت معظم هذه الترجمات بوضوحها وترتيبها الجيد. 

    بما أن الترجمة هي سُنة انتقال المعارف العلمية، فإن الكاتبة ستتطرق بعد ذلك إلى الحديث عن حركة الترجمة التي عرفها الأوروبيون مع بداية القرن العاشر حيث تدفق سيلها تدفقا متواصلا لم يكن بوسع أحد أن يمنعه، وانطلقت من اسبانيا وصقلية وشمالي ايطاليا. شملت الترجمة أ‘مالا عربية مهمة من قبيل كتاب الكليات Colliget، وكتاب التيسير لابن زهر الذي عرف باللاتينية باسم Avensoar، وكتاب الحاوي للرازي Contimens Rhases عام 1279…

    بينت زيغريد هونكه بعد ذلك المكانة التي بلغها علماء العرب و فلاسفتهم لدى الأوروبيين في العصر الوسيط، إذ أصبح ابن سينا على سبيل المثال عبارة عن مذهب وتيار أصيل في العصر الوسيط الأوروبي، فظهرت مصطلحات كروح ابن سينا (Anima avicenne)… ويمكن الإشارة كدليل على مكانة الأطباء العرب لدى الأوربيين آنذاك إلى أن ابن سينا ذُكر حوالي ثلاثة ألاف مرة، والرازي وجالينوس ألف مرة، وأبيقور أربعمائة مرة في كتاب للنبيل “فراري دوغرادو” وهو أستاذ في “بافيا” الموجودة بإيطاليا. بل إن الأمر تعدى ذلك إلى درجة ظهور طائفة من الأطباء المتأثرين بالعرب سُموا Arabisten.

    تختتم زيغريد هونكه حديثها في الفصل الأخير من هذا الكتاب (أي الكتاب الرابع) بذكر الفضل الكبير للعقول العربية النيرة التي أنشأت لنا رؤية جديدة لعلم الطب وفن الاستشفاء، إذ إن كل مستشفى مع ما فيه من ترتيبات ومختبر ومستودع أدوية في أيامنا هذه إنما هو في حقيقة الأمر نصب تذكارية للعبقرية العربية.

الكتاب الخامس: سلاح المعرفة

قسمت زيغريد هونكه الكتاب الخامس إلى تسعة فصول

الفصل الأول: المعجزة التي حققها العرب

افتتحت زيغريد هونكه هذا الفصل بالحديث عن معجزة العرب في مجال السياسة والعلوم، فهي ترى أن ما بلغه العرب في ظرف وجيز – عشرات الأعوام – لهو أعظم وأكمل مما حققته حضارات أخرى في مئات السنين، بل إن شعوبا تملك مقومات أكثر للنهوض: كالإغريق والفرس وبيزنطة وسوريا، لم تستطع أن تزرع بذرة حضارة متقدمة وراقية كتلك التي زرعها العرب، فأثمرت في العلم آلاف المكتبات و ملايين الكتب والمخطوطات، وفي السياسة أخلاقا لم يتحلى بها أحد من الفاتحين قبلهم، حتى أن الملك الفارس كيروس Kyros نفسه قال: “إن هؤلاء المنتصرين لا يأتون كمخربين”.

وتختتم الفصل بالمقارنة بين إشراق حضارة العرب هذه والجهالة الحمقاء لحضارة الغرب الظلمة.

الفصل الثاني: الغرب يسير في طريق مظلم

أوضحت المؤلفة في هذا الفصل كما في الفصل السابق، التخلف الذي يغرق فيه العالم الغربي، حيث أصبح استخدام العقل للبحث في الطبيعة وعجائبها، بدلا من الاهتمام بتعاليم الدين المسيحي، ينظر إليه على أنه إساءة لاستخدام القوى التي منحها الله للإنسان.

وهكذا اختفت مراكز الحضارة الإغريقية، وأقفلت آخر مدرسة للفلسفة في أثنا عام 529م، وأحرقت روما مكتبة البلاتين عام 600م.

الفصل الثالث: منهج المنتصرين

رأت هونكه في الأخلاق العربية مدرسة يتعلم منها العالم، فخصصت هذا الفصل للحديث عن منهج العرب في التعامل مع خصومهم في العقيدة والسياسة..

تذكر هنا ما كتبه بطريرك بيت المقدس في القرن التاسع لأخيه بطريرك القسطنطينية عن العرب: “إنهم يمتازون بالعدل، ولا يظلمون البتة، وهم لا يستخدمون معنا أي عنف”. هكذا أثر العرب في العالم وأثروه، وجعلوا شعوبه تبعا لهم، ليس بفعل القوة والسلاح بل بحسن المعاملة وعدم التمييز، فهؤلاء لم يأتوا ليفرضوا عقيدة، بل جاؤوا ليقودوا العالم نحو الأفضل.

الفصل الرابع: طلب العلم عبادة

في هذا الفصل تبين الكاتبة، كيف جعلت تعاليم الدين الجديد العرب أمة تواقة للعلم والتعلم، فالنبي محمد أمر أتباعه بأخذ العلم ولو في الصين، وجعل من تواب التعلم كتواب الصلاة والصوم. هذا في الوقت الذي كان يتساءل فيه بولس الرسول Paulus: “ألم يصف الرب المعرفة الدنيوية بالغباوة”.

منهجان مختلفان بل عالمان منفصلان، وهوة واسعة بين الحضارة العربية الشامخة والمعرفة السطحية في أوروبا حيث لا قيمة لمعرفة الدنيا كلها.

الفصل الخامس: عملية إنقاذ

تروي هونكه في هذا الفصل عن شغف الأمراء العرب بأخذ التراث العلمي للقدامى وإنقاذه من الضياع، تذكر مثلا طلب هارون الرشيد بعد احتلاله لعمورية وأنقرة تسليم المخطوطات الإغريقية القديمة كما هو الحال مع المأمون بعد انتصاره على ميخائيل الثالث Micheal3 قيصر بيزنطة إذ طالبه بتسليم أعمال الفلاسفة القدامى التي لم تترجم للعربية، بديلا عن تعويضات الحرب، لقد أسهم كل هذا في حفظ التراث القديم ونقله للعصور اللاحقة.

الفصل السادس: الترجمة من حيث هي عامل حضاري

في هذا الفصل توضح هونكه بأن عملية أخذ التراث القديم رافقتها حملة ترجمة واسعة بدأت أول الأمر بالأمير الأموي خالد بن يزيد حوالي 687م.

 ولعل حنين بن إسحاق مثال صارخ للكفاح الرائع من أجل بعث الفكر القديم وتراثه إذ استفاد من إلمامه باللغات القديمة كالإغريقية والآرامية واللاتينية .. كما هو الحال مع الطبيب الفارسي يحيى بن ماسويه القادم من جنديسابور، فكان رئيس للمترجمين في عصر هارون الرشيد والمأمون.

الفصل السابع: الشغف بالكتب

تأخذنا زيغريد هونكه في هذا الفصل في جولة على مكتبات العالم العربي في ذلك العصر المشرق، حيث نمت دور الكتب في كل مكان وحيث أصبحت الكتب مطلبا للجميع، وفي مكتبة صغيرة كمكتبة النجف في العراق كانت تحوي في القرن العاشر 40000 مجلد. وفي مرغة جمع نصير الدين الطوسي لمرصده 400000 مخطوط، أما بغداد وحدها فقد ضمت أكثر من مائة مكتبة بملايين الكتب والمخطوطات. هذا في وقت كانت مكتبة الفاتيكان العظيمة تحوي 12 مخطوط ربطت بالسلاسل خشية ضياعها.

الفصل الثامن: شعب يذهب إلى المدرسة

في هذا الفصل تأكد هونكه على الهوة العميقة بين الشرق والغرب، هذه المرة تستند لمعطى آخر هو التمدرس بين عالمين: عالم عربي اهتمت فيه الدولة بالتعليم وتوفير مدارس عليا مجانية لكل طبقات الشعب، يتناولون فيها الطعام مجانا، ومزودة بمهاجع وحمامات كما هو الحال عندنا اليوم في جامعاتنا، وبين عالم أوروبي بئيس % 95 من سكانه لا يعرفون القراءة والكتابة.

الفصل التاسع: هدايا العرب للغرب

ترى زيغريد هونكه في هذا الفصل الأخير أن العرب لم ينقدوا الحضارة الإغريقية من الزوال وحسب، بل نظموها ورتبوها ثم أهدوها للغرب. وهذا ليس كل شيء، لقد أسسوا الطرق التجريبية في الكيمياء والطبيعة والحساب والجبر والجيولوجيا وحساب المثلثات وعلم الاجتماع، وتلك هديتهم للبشرية جمعاء…

الكتاب السادس: موحد الشرق والغرب

قسمت زيغريد هونكه الكتاب السادس إلى ستة فصول:

الفصل الأول: دولة النورمان حلقة الاتصال بين عالمين

تستهل هونكه هذا الفصل بالحديث عن تجربة فريدة في العلاقة بين الشرق والغرب، تلك التي جسدها غزو النورمان لجنوب إيطاليا، ودخولهم لصقلية الجزيرة التي عمرها العرب فبنو فيها القصور والحدائق، فتطبع المنتصرون بطباع المغلوبين، ورضخ المنتصرون لعقلية وحضارة المنهزمين !

الفصل الثاني: توحيد الشعوب المتنازعة

تروي الكاتبة في هذا الفصل قصة لاتفاق تاريخي بين ريتشارد قلب الأسد وصلاح الدين الأيوبي، بشأن تنظيم العلاقة بين المسلمين والحجاج المسيحيين في القدس.

في الواقع،  إن هذا الاتفاق كان يناقض تماما عقلية الحروب الصليبية التي كانت ترعاها الكنيسة ! وأتاح كذلك فرصة وجيزة من التاريخ البشري توحد فيها الشرق والغرب على أساس الصداقة والثقة والاحترام المتبادل..

الفصل الثالث: “سلطان” لوسير

تحكي لنا المؤلفة في هذا الفصل بإسهاب عن ملك صقلية فريدريك الثاني، الذي جعل من لوسير – مقر إقامته – رمزا للتعايش بين غرب متعطش للحضارة وشرق مترف غني، لقد جعل فريدريك من العرب خاصته المقربة،  فجمع حوله الشعراء والعلماء والفلاسفة وحتى الجواري بلباسهن العربي. فصار محط نقد الكنيسة وحرم منها وأصبح أقرب لأمراء العرب منه لأمراء أوروبا…

الفصل الرابع: لقد بني على أساس عربي

في هذا الفصل تبين زيغريد هونكه كيف تأثر أسلوب العمارة الأوروبي بنظيره العربي، فصارت القصور والقلاع تبنى وفق أسلوب الهندسة العربية. لذا نلاحظ التشابه بين قلاع باري Bari وتراي Trani وبرانديسي Brandisi، وقلعة كوكا Coca الاسبانية، والباسيل الفرنسي، لأنها كلها قلدت الأسلوب العربي. لقد انتقل فن البناء العربي من جنوبي إيطاليا حيث قلاع فريدريك الثاني إلى شمالي إيطاليا ثم إلى ألمانيا ليبلغ أقصى ازدهاره.

الفصل الخامس: أحاديث عبر الحدود.

في هذا الفصل تتحدث زيغريد هونكه عن حالة فريدة في تاريخ العلاقات الشرقية الغربية، ألا وهي الحوارات العلمية والثقافية التي دارت في شكل مراسلات  بين علماء العرب وأمراء الغرب خاصة فريدريك الثاني، لقد أثّرت أفكار بن رشد الفيلسوف القرطبي كثيرا في الأمير الصقلي، تلك الأفكار التقدمية والثورية حول قدم العالم والخلق وعدم تعارض العلم المادي والعقيدة الدينية، وكذا تورد لنا الكاتبة مراسلات شهاب الدين الكرافي مع الأمير فريدريك الثاني.

الفصل السادس: نظرة جديدة للعالم

تختتم المؤلفة كتابها السادس موضحة التغير الجلي الذي طبع نظرة الأوروبيين للعالم متأثرين بحواراتهم ولقاءاتهم مع علماء العرب، لقد صار الأمير فريدريك على خطى أصدقاءه الشرقيين في نظرتهم للطبيعة والعلم، فحاز بذلك سخط الكنيسة، وتبعه على هذا المنوال تيار واسع من علماء الغرب الذين أسسوا لعصر النهضة الأوروبية.

الكتاب السابع: عرب الأندلس

قسمت زيغريد هونكه الكتاب السابع إلى ستة فصول:

الفصل الأول: أهل سيدات الطبقة الراقية

في هذا الفصل تحدثنا هونكه عن العادات العربية التي غزت المجتمعات الأوروبية، فتقديس المرأة وتقبيل يدها احتراما وتبادل الهدايا بين الأحباب والأصحاب .. هذه العادات لا تتفق مع الثقافة الجرمانية الخشنة الفجة التي ساوت بين الجنسين، بل إنها عادات عربية أصيلة طبعة عالمنا اليوم دون أن يسأل أحد عن أصلها !

الفصل الثاني: العالم كله مسجد كبير بني لي

خصصت زيغريد هونكه هذا الفصل للحديث عن فن المعمار الإسلامي في الأندلس وتفرده عن نظيره الأوروبي. لقد أبدع عرب الأندلس فن المعمار وجاءوا من الشرق بكل فريد وجميل من أقواس وأعمدة ومواد بناء لم يعرفها الغرب من قبل كالرخام و المرمر .. كما أبدعوا في إنشاء الحدائق وصيانتها وبناء نوافير المياه، ولعل قصر الحمراء في قرطبة رمز بارز لفن العمارة العربي في الأندلس.

     الفصل الثالث: الحياة على نغمات الموسيقى

تروي هونكه في هذا الفصل قصة عالم الموسيقى، الفتى الكردي الموهوب “زرياب” الذي قدم إلى الأندلس في عهد الخليفة عبد الرحمن الذي قربه وقدمه، فكان أبرز علماء الموسيقى في عصره. وتنقلت بعد ذلك للحديث عن الموسيقى العربية التي امتازت بالإيقاع المنتظم والألحان الممتعة وبتعدد السلالم الموسيقية، فالإيقاع الشرقي نظم حقول النغم، والكندي كان أول من وصف ذلك في منتصف القرن التاسع.

     الفصل الرابع: زينة الدنيا

في هذا الفصل تصف المؤلفة مدينة قرطبة، عاصمة الأمويين في الأندلس إبان حكم عبد الرحمن الثالث. هذهه المدينة التي ازدانت بالإنارة في شوارعها، بعمارتها المميزة وحدائقها المنظمة، كانت قرطبة قبلة أهل العلم فيها: مئات المكتبات وعشرات المدارس والجامعات والمستشفيات والحمامات ..

أوردت هونكه في هذا السياق ما قالته الراهبة الشاعرة “هروزفيتا” عن قرطبة: “قرطبة المدينة الشابة هي زينة الدنيا، قرطبة شهيرة بجمالها، فخورة بقوتها، قرطبة هي التي حوت كل شيء تزهوا به المدن”.

الفصل الخامس: شعب من الشعراء

تبين لنا هونكه في هذا الفصل كيف عرف الشعر في الأندلس أقصى درجات الازدهار والتنوع، فلم يكن موضوعه واحدا بل كتب الشعراء في كل المواضيع من السياسة و الحب والعمران إلى العلم و الفلسفة والحيوانات كذلك ! وكان أمراءهم أول الشعراء والمهتمين بالشعر.

الفصل السادس: سلطان الشعر

في فصلها الأخير تورد زيغريد هونكه قصت العشق الشهيرة بين الأمير المعتمد وزوجه اعتماد التي كتب فيها أجمل قصائده ..

لقد بينت هذه القصة عظمة العرب وقدرتهم على إبراز أجمل ما في الأدب والفن مما لم يكن يعرفه الغرب على الإطلاق.

إعداد:أيمن نغش 

المصدر: الرابطة المحمدية للعلماء

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :ملاحظة هامة: الآراء الواردة في هذا الركن لا تمثل بالضرورة رأي أو توجه هيئة تحرير جريدة الثالثة، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها فقط.