في دلالات غضب الخارجية المغربية ضد وزيرها السابق

في دلالات غضب الخارجية المغربية ضد وزيرها السابق

بلال التليدي

2019-10-18T10:14:02+01:00
2019-10-18T10:14:09+01:00
مقالات الرأي
18 أكتوبر 2019
في دلالات غضب الخارجية المغربية ضد وزيرها السابق
بلال التليدي

ثمة نقاط استفهام كثيرة حول خلفية إصدار الخارجية المغربية لبلاغ شديد اللهجة ضد تصريح لوزير الخارجية السابق صلاح الدين مزوار، لاسيما وأن الرجل غادر وزارة الخارجية في حكومة سعد الدين العثماني منذ أكثر من سنتين، بل غادر موقعه في رئاسة التجمع الوطني للأحرار القريب من دواليب الإدارة، وأصبح يشغل منصبا غير رسمي، في رئاسة نقابة رجال الأعمال «الاتحاد العام للمقاولين بالمغرب».
بلاغ الخارجية المغربية كان في غاية القسوة والحدة، واستعمل كلمات قوية، إذ وصف تصريحه بـ«غير المسؤول» و«الأرعن» و«المتهور».
تعليل الخارجية لغضبها انطلق من أربعة اعتبارات: توقيت التصريح ودوافعه، ومضمون التصريح وعلاقته بالتدخل في الشؤون الداخلية للجزائر، ومخالفة موقف الدولة الرسمي، والرابع شكلي، يرتبط بالجهة المخول لها التعبير عن الموقف اتجاه الأوضاع في الجزائر.
تصريح صلاح الدين مزوار جاء في مؤتمر دولي نظم بالمغرب (مراكش)، وحضره خبراء وصناع قرار دوليون، فضلا عن مستثمرين ورجال أعمال أجانب، ومضمونه من حيث العلاقة بالشأن الجزائري، ليس بالدرجة الحساسة التي تثير الاحتجاج القوي المبعثر لأوراق العلاقات المغربية الجزائرية التي لحد الآن لم تخرج عن دائرة التوتر والحذر، فالرجل لم يأت بفكرة جديدة، فهو يعتبر بأن الوضع في الجزائر، يحتاج إلى أن تتجه المؤسسة العسكرية إلى حل تقاسم السلطة، ثم إن تصريحه ليس رسميا، ولم يزعم أنه يعبر عن موقف الدولة حتى يحل محلها، فالصفة التي تلازمه اليوم، تعطي رسالة واضحة أنه يعبر عن مجرد رأي شخصي ليس أكثر.
ثمة أكثر من قراءة لتفسير سلوك الدولة المغربية تجاه تصريحات وزير خارجيتها السابق، أولها أن يكون الباعث الحقيقي هو ما ورد في بلاغها بالفعل، فيكون الداعي هو الخوف من أن تفهم الجزائر من خلال الموقع السابق صلاح الدين مزوار، أن هذا هو الموقف المغربي، وأن المغرب يتطلع إلى أن تفضي الاحتجاجات في الجزائر إلى تقليم أظافر المؤسسة العسكرية، وتقاسم السلطة مع المحتجين، وبشكل خاص مع الإسلاميين الذين نابذتهم العداء في السابق، وأن ذلك هو ما يصب في مصلحة المغرب، وأن الجزائر لن تقيم أي مسافة بين مزوار وبين الموقف المغرب باعتبار موقعه السابق، وباعتبار حساسية الجزائر الشديدة من التدخل الأجنبي في شأنها الداخلي، وباعتبار التوتر وسوء الفهم القديم الذي يؤطر علاقتها بالمغرب، وأن اللجوء إلى العنف اللفظي في بلاغ الخارجية المغربية كان مقصودا بهدف ترسيخ تمايز موقفها الرسمي عن تصريح مزوار.

غير أن هذه القراءة، التي لا يمكن تأويل نص بلاغ الخارجية المغربية خارجها، توحي بإشارات أخرى، فالتوجيه إن كان على هذا المنحى، فإن الأمر في تقديري، لا يرتبط فقط بترسيخ مبدأ عدم التدخل في الشأن الجزائري، وترك الأمور تجري في الجزائر على طبيعتها، وإنما يؤطره اعتبار آخر، هو الخوف من أن تضيع «المكتسبات» الدبلوماسية الخفية أو الإشارات الواعدة التي ترتبت بعد إنهاء حكم بوتفليقة والتخلص من عدد من رموز النظام الذين تسببوا في توتير العلاقات المغربية الجزائرية، فلا يستبعد أن تغطي فترة الهدوء السائدة حاليا على تفاهمات للحد الأدنى تحت الطاولة بين الطرفين، وأن يكون غضب الخارجية ولغتها القاسية مؤطرة بالخوف من هدم تصريحات صلاح الدين مزوار للخيمة من أركانها.
ليس هناك ما يرجح هذه القراءة سوى لغة البلاغ العنيفة، وإلا فإن القراءة الأخرى، التي تركز على الشق المرتبط برؤية مزوار للإصلاح السياسي في المنطقة المغاربة، هي المرجح أن تكون وراء غضبة الخارجية المغربية، فالرجل كان يتحدث عن موجة الاحتجاجات فيها، والخيارات المتاحة لدعم الاستقرار واستشراف الأمل، إذ رأى في الاحتجاجات علامات أمل، ليس فقط في الجزائر، وإنما أيضا في سائر دول المنطقة بما في ذلك المغرب، وأن ذكره للجزائر جاء على سبيل التمثيل، وأن المثير في تصريحه، هو ما يرتبط بالمقاربة التي ترتكز على طرح حل تقاسم السلطة، وتقييم واقع التشكيلات الحزبية التقليدية، والخروج بحكم بشأنها، يجعل الإسلاميين هم القوة الأساسية المرشحة لصناعة المستقبل السياسي في المنطقة، وأن القوى السياسية التقليدية تراجعت وتم تجاوزها وأن مؤشرات ذلك هو رفض المحتجين لها ولدورها في حقل السياسة.
من زاوية هذه القراءة يطرح سؤالان أساسيان: هل مصدر الغضب يرجع إلى امتعاض المغرب من الأطروحة وتحرجه من أن يأتي ذكرها على لسان وزير خارجية سابق، أم أن ذلك يرجع إلى كونه، تسرع في البوح بها في الوقت الذي لا تزال مجرد فكرة تدور في دوائر ضيقة في دوائر صناعة القرار السياسي المغربي؟ أم أن ذلك يرجع إلى أنه حقن الأطروحة بمقتضيات قوية تثير حساسية شديدة في السياق السياسي المغربي؟
في تقديري اللغة الغاضبة لبلاغ الخارجية تشير إلى مقاربة مزوار أكثر من أي شيء آخر. فالرجل باعتبار الموقع الذي كان يحتله، وما أتاح له من فرص للاستماع إلى مسؤولين في دوائر خاصة عن قضايا الاستقرار والإصلاح في المنطقة المغاربية، لم يكن يقصد فقط إدماج الإسلاميين، وإلا فقضية الإدماج جارية في المغرب وتونس، بل أصبحت تقليدية في هذين السياقين، فالرجل حدد بوضوح خارطة الإصلاح في المنطقة المغاربية، ودور الإسلاميين فيها، وأنه لا خيار سوى تقاسم السلطة، وأن حركة الاحتجاجات لن تتوقف حتى تحقيق هذا الغرض، وأن الأجوبة السياسية الحالية، لن تستمر طويلا، وأن ثمة حتمية للوصول إلى ما طرحه من ضرورة تجاوز الرؤية الاستئصالية للإسلاميين، كما هي في حالة مصر ونسبيا في الجزائر بالنسبة لبعض الأطياف التي رمز إليها صلاح الدين مزورا حين تحدث عن الحرب التي شنتها السلطة الجزائرية علليها لمدة عشر سنوات، وأيضا ضرورة تجاوز للرؤية التأثيثية في التعاطي مع الإسلاميين، والتي تكتفي بالإدماج المتحكم فيه دون الوصول به إلى مستويات تقاسم السلطة.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :ملاحظة هامة: الآراء الواردة في هذا الركن لا تمثل بالضرورة رأي أو توجه هيئة تحرير جريدة الثالثة، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها فقط.