عبد الوهاب المسيري.. في ذكرى رحيل مفكر عربي استثنائي

عبد الوهاب المسيري.. في ذكرى رحيل مفكر عربي استثنائي

2019-07-07T23:42:48+01:00
2019-07-07T23:42:52+01:00
ثقافة
7 يوليو 2019

“المثقف الذي لا يترجم فكره إلى فعل لا يستحق لقب المثقف”، هكذا كتب المفكر المصري الراحل عبد الوهاب المسيري في مذكراته “رحلتي الفكرية: في البذور والجذور والثمر” التي حكى فيها رحلته منذ أن وُلد فى دمنهور (شمال مصر) ونشأ فيها إلى أن انتقل للإسكندرية ومنها إلى نيويورك ثم أخيرًا إلى القاهرة، حيث استقر به المقام وتوفي فيها بداية يوليو/تموز 2008.

وبعد مرور أحد عشر عاما على رحيله، تبدو رحلة المسيري الفكرية والإنسانية أكثر راهنية بالنظر للتحولات التي يمر بها العالم العربي اليوم وكتب عنها في مذكراته التي عرض فيها مشروعه الفكري مشفوعا بأحداث شخصية واقتباسات من كتبه تظهر كيف ترجمت القضية الفكرية العامة نفسها إلى أحداث ووقائع محددة فى حياته الشخصية الخاصة، وذلك بأسلوبه الأدبي السلس والعميق والساخر.

استثنائية المسيري

اعتبر المسيري مفكرا عربيا استثنائيا لعدة أسباب، فهو مثقف مشتبك مع الواقع يمارس التظاهر والاحتجاج والتنظيم السياسي، وأكاديمي مثقف يعمل في حقول معرفية متعددة منها دراسات الحداثة والمادية الغربية والعلمنة واليهودية والصهيونية، والأدب الإنجليزي والنقد الأدبي، وحتى موضوعات مرتبطة بالتاريخ والمجتمع كتب فيها بتخصص وأصالة ومنهجية ذات حس جمالي وتحليلي وذات تجديد معرفي ومفاهيمي غير معتاد.  

وكتب المسيري للخاصة والعامة لدرجة أن مؤلفاته شملت أدب الأطفال، وأثرى المكتبة العربية بعشرات المؤلفات باللغتين العربية والإنجليزية، تنوعت بين الموسوعات والدراسات والمقالات، وأبرزها “موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد” التي تصنف ضمن أهم الموسوعات العربية في القرن العشرين وتعد من أهم أعمال تأريخ الحركة الصهيونية.

وفي الوقت ذاته كان المسيري إصلاحيا معارضا ومن مؤسسي حركة “كفاية” المصرية التي شملت أطيافا فكرية مختلفة وعارضت سياسات التوريث ونظام الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، ودفع ثمن ذلك من تجاهل السلطات لمكانته الفكرية وحتى اختطافه من قبل مجهولين والإلقاء به في طريق مهجور. 

ومن كتبه البارزة “العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة”، و”الفردوس الأرضي”، و”الحداثة وما بعد الحداثة”، و”الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان”، وألف عدة قصص وديوان شعر وترجمت بعض أعماله إلى عدة لغات مثل الفرنسية والفارسية والبرتغالية والتركية.

واستطاع المسيري أن ينحت مفاهيم عدة في الفلسفة وعلوم الاجتماع، بينها “النماذج التفسيرية” التي استخدمها في مشروعه لنقد الحداثة الغربية والفلسفة المادية، وكذلك تناوله للموضوعية وإشكالية التحيز، وأصبحت هذه المفاهيم متداولة لتجعل صاحبها واحدا من أهم المنتقدين للنماذج الغربية من منظور إنساني.

وفي المقال الذي كتبه للجزيرة نت قبيل وفاته قال المسيري إن بعض المفكرين منذ بدايات المشروع التحديثي تنبهوا إلى الطابع التفكيكي المظلم والمعادي للإنسان في هذا المشروع، مضيفاً أنه قد حوَّل الإنسان من غاية إلى وسيلة، وهناك كثير من آليات التحديث مثل الدولة المركزية أو السوق القومية أو الترشيد، تستقل عن الأهداف الإنسانية، مثل إشباع حاجات الإنسان وتحقيق الكفاية والأمن له لتصبح غايات وتهيمن على الإنسان وعليه أن يذعن لها.

وتناول المسيري مشروع تطوير “حداثة بديلة” مؤكدا ضرورة تطوير منظومة تحديث إنسانية إسلامية، منظومة هدفها ليس التقدم المستمر دون نهاية وتصاعد معدلات الاستهلاك ولا تقوم على أساس ثورة التطلعات المتزايدة، وإنما التوازن مع الذات ومع الطبيعة وتحقيق العدالة الاجتماعية.

وأضاف أن المطلوب هو حداثة جديدة تتبنى العلم والتقنية ولا تضرب بالقيم أو بالغائية الإنسانية عرض الحائط.. حداثة تحيي العقل ولا تميت القلب، تنمي وجودنا المادي ولا تنكر الأبعاد الروحية لهذا الوجود، تعيش الحاضر دون أن تنكر التراث.. حداثة تحترم التعاقد ولا تنسى التراحم.

رحلة الجذور والبذور والثمار

ولد المسيري عام 1938 في دمنهور بمحافظة البحيرة شمال الدلتا المصرية، والتحق عام 1955 بقسم اللغة الإنجليزية في كلية الآداب بجامعة الإسكندرية، وحصل عام 1964 على درجة الماجستير في الأدب الإنجليزي المقارن من جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة، ثم على درجة الدكتوراه عام 1969 من جامعة رَتْجَرز.

وعمل المسيري حياته المهنية أكاديميا في جامعة الإسكندرية وقام بالتدريس في جامعة عين شمس وفي عدة جامعات عربية وفي جامعة ماليزيا الإسلامية.

وكان المسيري مستشارا ثقافيا للوفد الدائم لجامعة الدول العربية لدى الأمم المتحدة في نيويورك، ومستشارا أكاديميا للمعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن.

وتناول المسيري في مشروعه الفكري ظواهر الصهيونية وعلاقتها “العضوية” بالحضارة الغربية، ورفض أفكار نظرية المؤامرة، واستخدم منظورا تحليليا جوهره البحث والإبداع مستكشفا روابط غير تقليدية بين الظواهر التي اعتبر أنها تنتج نمطا عاما سماه “نموذجا تفسيريا” يتجاوز الظاهرتين وله مقدرة تفسيرية معقولة. 

وفي مقاله الأخير بدا المسيري متفائلا بإمكانية تحقق رؤيته لحداثة إنسانية بديلة عن “الحداثة الداروينية” التي اعتبر أنها “أدخلتنا جميعا في طريق مسدود” لافتقادها التوازن بين التعاقد والتراجم، وسعيها المحموم نحو اللذة والاستهلاك. 

واعتبر المسيري أنه لا يمكن تحقيق هذه الرؤية البديلة إلا في إطار إيماني، فلا يمكن للإنسان -بحسب المسيري- أن يتجاوز الرغبة في الاستهلاك والشره والبحث الدائم والدائب إلا من خلال الإيمان بشيء أكبر منه.

وراهن المسيري على أن التطور المعرفي والسيولة الفكرية في الغرب سيؤديان لتراجع المركزية الغربية في التاريخ والثقافة، ويشير انشغاله بالأسرة وكتابة أدب الأطفال لمركزية المجتمع في فكر الفيلسوف الذي قدم رؤيته الإنسانية العالمية لنقد الحداثة الغربية.

المصدر : الجزيرة

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :ملاحظة هامة: الآراء الواردة في هذا الركن لا تمثل بالضرورة رأي أو توجه هيئة تحرير جريدة الثالثة، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها فقط.