سعيد بن جبير .. الرجل الذي أرعب قاتله!

سعيد بن جبير .. الرجل الذي أرعب قاتله!

ثقافة
1 يناير 2020

من سعيد بن جبير؟

هو الإمام الحافظ المقرئ المفسِّر سعيد بن جبير بن هشام[1]، أبو محمد، أحد التابعين الكرام.. وهو رحمه الله لم يكن عربيَّ الأصل؛ فهو من موالي بني أسد[2].

وقد كان سعيد بن جبير رحمه الله من المكثرين في رواية الحديث، وقد روى عن: ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وأبي سعيد رضي الله عنهم، وطائفةٍ أخرى. وروى عنه جماعة وخلقٌ كثيرٌ من رواة الحديث..

أخذ سعيد بن جبير رحمه الله العلمَ عن كثيرٍ من الصحابة رضوان الله عليهم، غير أنَّه كان ملازمًا لترجمان القرآن وحبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما..

وإنَّ ممَّا أُثِر عن سعيد بن جبير رحمه الله خوفه وخشيته، وقد كان ذِكْرُ الموتِ لا يُفارقه، فيقول: “لو فارق ذكر الموت قلبي خشيت أن يفسد عليَّ قلبي”، وعنه قال: “الدنيا جمعةٌ من جُمَع الآخرة”[3].

وهناك من المآثر والصفات الطيبة ما لا يعد، ويمكن أن تزيد من المعرفة بشخصه الكريم رحمه الله ورضي عنه من خلال مقالنا: “سعيد بن جبير”.

قصة مقتل سعيد بن جبير رحمه الله:

لمـَّا انهزم أصحاب ابن الأشعث في معركة دير الجماجم، وكان سعيد بن جبير رحمه الله في جيش ابن الأشعث، هرب رحمه الله إلى مكة، فأخذه خالد بن عبد الله القسري، وكان والي الوليد بن عبد الملك على مكة، فبعث به إلى الحجاج بن يوسف الثقفي[4].

فدار بينه وبين الحجاج حوار:

– قال الحجاج لسعيد بن جبير: اختر أيَّ قِتْلَةٍ شئت.

– فقال له: بل اخترْ أنت لنفسك؛ فإنَّ القصاص أمامك.

– قال له: يا شَقِيُّ بن كَسِير، ألم أقدم الكوفة وليس يؤمُّ بها إلَّا عربي، فجعلتك إمامًا؟

– قال: بلى.

– قال: ألم أولِّك القضاء، فضجَّ أهل الكوفة، وقالوا: لا يصلح القضاء إلَّا لعربي، فاستقضيت أبا بردة، وأمرته ألَّا يقطع أمرًا دونك؟

– قال: بلى.

– قال: أوما جعلتك في سُمَّاري؟.

– قال: بلى.

– قال: أوما أعطيتك كذا وكذا من المال، تُفرِّقه في ذوي الحاجة، ثم لم أسألك عن شيءٍ منه؟

– قال: بلى.

– قال: فما أخرجك عليَّ؟

– قال: كانت بيعةٌ لابن الأشعث في عنقي.

– فغضب الحجَّاج، ثم قال: كانت بيعة أمير المؤمنين عبد الملك في عُنُقِك قبل، والله لأقتلنَّك»[5].

وهناك روايةٌ أخرى عن أبي حفصة، قال:

«لمـَّا أُتِي بسعيد بن جبير رحمه الله إلى الحجاج..

– قال: أنت شقي بن كسير.

– قال: أنا سعيد بن جبير.

– قال: لأقتلنَّك.

– قال: أنا إذًا كما سمَّتني أمي.

– قال: دعوني أصلِّي ركعتين.

– قال: وجِّهوه إلى قبلة النصارى، قال: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115].

– قال: إنِّي أستعيذُ منك بما عاذت به مريم.

– قال: وما عاذت به مريم؟

– قال: قالت: {إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} [مريم: 18]، قال سفيان: لم يقتل بعد سعيد بن جبير إلَّا رجلًا واحدًا»[6].

هل قتل الحجَّاجُ سعيدًا أم قتله؟!

وقد نقل الإمام الذهبي في سيره وغيره، أنَّ سعيد بن جبير رحمه الله قال: «اللهمَّ لا تُسَلِّطْهُ على أحدٍ يقتله بعدي»[7].

وقد ذكر المؤرخون أنَّ الحجَّاج كان إذا نام يراه في منامه يأخذ بمجامع ثوبه، فيقول: “يا عدوَّ الله فيم قتلتني؟ فيقول: ما لي ولسعيد بن جبير! ما لي ولسعيد بن جبير!”[8].

وذُكِر أنه مكث ثلاث ليالٍ لا ينام يقول ما لي ولسعيد بن جبير[9]، وقد زاد ابن الجوزي: أنَّه كان يقول: ما لي ولسعيد بن جبير كلَّما أردتُ النوم أخذ برجلي[10].

وأضاف ابن خلكان: أنَّه رُئِي الحجَّاج في النوم بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك. فقال: قتلني بكلِّ قتيلٍ قتلته قتلة، وقتلني بسعيد ابن جبير سبعين قتلة[11].

فبهذا تكون لعنة دماء سعيد بن جبير رحمه الله هي من أودت بحياة الحجاج الثقفي وأنهت ظلمه وطغيانه..

[1] البخاري: التاريخ الكبير، دائرة المعارف العثمانيَّة، حيدر آباد، الدكن، 3/461.

[2] ابن سعد: الطبقات الكبرى، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1410ه= 1990م، 6/ 267.

[3] ابن حنبل: الزهد، ص300.

[4] الدينوري: المعارف، تحقيق: ثروت عكاشة، الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة، الطبعة الثانية، 1992م، 1/445.

[5] الدينوري: المعارف، 1/446، والذهبي: تاريخ الإسلام، تحقيق: الدكتور بشار عوَّاد معروف، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، 2003م، 2/1101.

[6] المزي، جمال الدين، تهذيب الكمال في أسماء الرجال، تحقيق: بشار عواد معروف، مؤسَّسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، 1400هـ= 1980م، 10/ 368،  والأصبهاني: سير السلف الصالحين، تحقيق: كرم بن حلمي بن فرحات بن أحمد، دار الراية للنشر والتوزيع، الرياض، ص783.

[7] الذهبي: سير أعلام النبلاء، 4/ 332.

[8] ابن الأثير: الكامل في التاريخ، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1417هـ / 1997م، 4/ 55، وابن كثير: البداية والنهاية، 9/ 97، وابن خلدون:  ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، تحقيق: خليل شحادة، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية، 1408هـ= 1988م، 3/ 83.

[9] أبو العرب التميمي: المحن، تحقيق: عمر سليمان العقيلي، دار العلوم، الرياض، السعودية، الطبعة الأولى، 1404هـ= 1984م، ص248.

[10] ابن الجوزي: المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1412هـ= 1992م، 7/ 4.

[11] ابن خلكان: وفيات الأعيان، 2/374، واليافعي: مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1417هـ= 1997م، 1/ 157.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :ملاحظة هامة: الآراء الواردة في هذا الركن لا تمثل بالضرورة رأي أو توجه هيئة تحرير جريدة الثالثة، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها فقط.