روبورتاج: المحكمة الابتدائية بالرباط .. حكايات وحزن وندم

روبورتاج: المحكمة الابتدائية بالرباط .. حكايات وحزن وندم

م.غ

2020-03-02T14:40:01+01:00
2020-03-02T14:46:21+01:00
ثقافة
2 مارس 2020

“طريق السلامة بيِّن وطريق الندامة أبْين”، من أراد حياة قوامها الهدوء والسكينة فليتخذ من الاحترام والانضباط ميزان يحدد مساره لضبط اختياراته، وإلا فإن أبواب المحاكم ستصبح إحدى مزاراته، فالأمن على النفس والمال هو جماع النعم ومقصد الحق والعدل، وإذا زال، حل محله الخوف والروع والفزع، هي قصص وغرائب أمام المحاكم،، جميعها مؤلم، وبعضها لا تجد له أي تفسير، ولكن الألم هو الألم.

مشاهد كأنها القيامة

“مي خديجة” أم مكلومة، توسطت حشودا من الأمهات، المتجمهرات أمام المحكمة الابتدائية بالرباط صبيحة هذا اليوم، الثاني من مارس2020م، الناظر إليها يتوهم أن قيامتها حلَّت، أو ربما انغرست شظايا قنبلة عظيمة في قلبها، تحبس دموعها بصعوبة بالغة، وتخرج كلماتها من بين شفتيها، كأنها الروح تغادر صاحبها.

جلست “مي خديجة”، منذ الساعات الأولى، أمام الباب الرئيسي للمحكمة رغم علمها أن جلسة محاكمة ابنها لن تنطلق قبل الواحدة بعد الزوال، اعتقل وحيدها ليلة الجمعة، وأمضى “الويكاند” في ضيافة الحراسة النظرية، فقد ودع عالمه الخاص، ولم يعد في إمكانه لف لفائف “الحشيش”، كما كان يفعل خارج أسوار السجن، بل لم يعد في مقدوره النوم كما كان من قبل، ولا الاستمتاع بمباراة كروية مع أصدقائه، أمه المسكينة أيضا تعيش نفس المعاناة، فهي التي سجنت نفسها قريبا منه، ترحل حيث رحلت سيارة الشرطة التي تقله.

مخدرات وعنف ودموع

تحكي “مي خديجة” بمرارة عن تهمة فتاها “متابعينو بتهمة بيع الحشيش”، لكنها واثقة من براءته، تؤكد “أنا واثقة من أنه لا يقوم ببيعه”، “هو غير مْبْلِي، الله يعفو عليه”، ولكن أولاد الحرام تضيف الأم المكلومة، “لا يرتاح لهم بال “قبل ما يزرفو معاهم” أولاد الناس، فولدها ذو الثمان وعشرين ربيعا، واحد من الشباب الذين غررت بهم شهوة الاكتشاف، فانغمسوا في عالم الرذيلة والعبث، دون استشعار الأخطار التي ستؤدي بهم إلى الهاوية، السجن أولها والسفر إلى العالم المجهول ثانيها، عالم يملؤه الضياع والفقر والخوف، والمرض، عالم بلا أمل.

ليست هذه الوالدة العجوز، الوحيدة التي رابطت أمام المحكمة منذ صباح اليوم بلا أكل أو شراب، منذ سماعها الخبر “الفاجعة”، ف”عفاف” إلى جانب العشرات اللاتي تحتشدن أمامها (المحكمة)، هي الأخرى  لم تتوانى في التأكيد على أن أصدقاء السوء ومصاحبة “اللي يسوا واللي ما يسواش”، تورث الذل والمهانة، لصاحبها ولدويه، أباء وأمهات، فالمدرسة المغربية لا تقوم في نظرها بواجبها، وفي غياب الأمن ووجود “أولاد الحرام” تجار المخدرات الذين لا يهمهم غير الربح المادي على حساب الكرامة والعفة، لا يمكن للأسرة الصغيرة خوض المعركة وحدها على كل الجبهات دفعة واحدة، فهي ‘أي الأسرة’، تعتبر في نظرها مجرد حاضنة، بينما الدور الأساسي في التوجيه والضبط يقع على عاتق الدولة بكامل أجهزتها، “إعلام، شرطة، مدرسة، وعاظ..”.

غير بعيد عن “خديجة” و “عفاف”، مسك أحد المتابعين بيديه السياج الحديدي، كأنما يتمسك بالحرية مخافة الانفصال المحتمل، بينما انهمك أحدهم خارجه، في توجيه النصائح له، “لا تتسرع، ولا تتلفظ بكلمة قبل أن تفكر، قل ما شفت والو، وانكر كلشي، واتهنا معا راسك، ما عندهوم ما يديرو ليك”، الشرطي يصرخ “سير حيد من تما، ولا ندخلك عندو، ياللاه سربي راسك، وجوه النحس”.

منظر آخر مؤثر، لا يقل إثارة وتأثيرا عن سابقه، سيدة متوسطة العمر، انزوت غير بعيد عن سور المحكمة، وحيدة ليس معها أحد، تسكب دموعها في صمت رهيب، الوحيد الذي كانت تطمئن إليه يقبع الآن داخل أسوار المحكمة، ينتظر مصيره كغيره من الرجال الذين اختطفتهم أخطاؤهم من بين أحبائهم، وجرفتهم سرعة غضبهم نحو الهاوية، وجعلت مصيرهم مجهولا تقول عتيقة، فزوجها كفيلها الوحيد يغضب لأتفه الأسباب، تهوره وغضبه السريع عجل باعتقاله بعد أن اعتدى على جاره بالضرب والجرح بسبب خلاف بسيط، مع ذلك، تأمل أن يفرج عن زوجها بعد الاستماع إليه من طرف القاضي، وأن يعانق الحرية من جديد ولو بكفالة، تضيف الزوجة الحزينة.

للقصة بقية

وحيد “مي خديجة” و “عفاف” و “عتيقة” وآخرون، وأخريات، وعشرات، بل مئات من القضايا المعروضة أو التي تنتظر العرض على محاكمنا، وتلتهم نسبا كبيرة من ميزانية خزينتنا، وكثير من الجهد والأمل، وتستنزف عقولا منتجة، وطاقات مؤهلة، ما كانت لتغرق في فك ألغاز الجرائم المعروضة عليها أوحل نزاعات عائلية، اضطر أصحابها إلى عرضها على المحكمة، لو أن الناس لا ينظرون إلى بعضهم بأنانية، ويعاملون بعضهم بمحبة وعدل، يلخص لنا أحد حراس الأمن القصة برمتها.

انتهت زيارتنا للمحكمة الابتدائية، ولكن القصة لم تنتهي، فالصورة تتكرر كل يوم، ومنظر المعتقلين وقصصهم أيضا لا تنتهي، أنين، وشكاوى الأمهات وآهاتهم، ممزوجة بالدموع والألم، لا تتوقف، الجميع ينتظر ساعة الفرج، والكل يتأمل لحظة الفرح، الجميع متابَعين و متابِعين، يتلمس الحرية والأمل.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :ملاحظة هامة: الآراء الواردة في هذا الركن لا تمثل بالضرورة رأي أو توجه هيئة تحرير جريدة الثالثة، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها فقط.