رحل صاحب القلب الكبير،، فليبكي الجميع معي حزناً على البراق..

رحل صاحب القلب الكبير،، فليبكي الجميع معي حزناً على البراق..

16 يوليو 2021
رحل صاحب القلب الكبير،، فليبكي الجميع معي حزناً على البراق..

محمد غازي*

فقدت أسرة الدكتور ناصر البراق، وهي أسرة كبيرة، كبيرة، كبيرة، ووارفة الظلال، شهما ومقداما تاريخه يشعُّ بياضا، ذو القلب الكبير، والصديق للجميع، رجل دولة ودولة برجل، مثقف ألحقته بلاده بسفارتها في المملكة المغربية، فكان شعاعا التفت به الجموع وطافت حوله النخب.

أسرته كبيرة، كبيرة، لأن الفقيد كان صاحب مواقف إنسانية عظيمة وكثيرة، ومثقف مبدع وإنسان نبيل، ذلك الفقيد ليس إلا هو، نفسه، “ناصر البراق” رحمه الله.

 مؤلم أن ينطفئ مصباح كان يشع نورا وثقافة وفكرا وحيوية..

 أرثي اليوم واحدٌ من الأصدقاء الذين قل نظيرهم، ونذر مثيله في حياة متقلبة، بذل المرحوم في حياته من الحب والعطاء لمحبيه ولأصدقائه ولوطنه، الغالي والنفيس، يشهد له به خصومه قبل أقربائه ومحبيه.

كم من عزيزٍ أذل الموتُ مصرعه، كانت على رأسهِ الراياتُ تخفقُ.

خلَّف الرجل بعد أن أنهى بنجاح وتميز مهمته في المملكة المغربية، التي جاءها ملحقا ثقافيا لسفارة بلاده، إرثا ثقافيا عظيما، بعد أن وضع حجر الأساس لجسر ثقافي مشع، جعل النخب الثقافية والسياسية، تتجمهر حول الملحقية الثقافية، (في عهده) وتتخذها قبلة للتلاقي والتفكر في قضايا تعزيز العلاقات الثقافية والفكرية للبلدين الشقيقين.

كان رحمه الله دبلوماسيا جسورا، وجسرَ تواصل مرح، يعمل دون كلل أو قيد يمد يده للجميع، حافا بأجنحة التواصل التي خبر أصولها كإعلامي محنك، كل من يرى فيه نقط ضوء من أجل تعميق أواصر الأخوة والمحبة بين أبناء البلدين.

في عهده كملحق ثقافي ولأول مرة في تاريخ الملحقية الثقافية السعودية بالمغرب

ملتقى للطلبة السعوديين بالمغرب، احتفاء بشفاء وعودة خادم الحرين الشريفين الملك عبد الله رحمه الله

وكانت، أن احتضنت الملحقية الثقافية بالرباط بخيمتها التراثية لقاء تواصليا مهما كان الأول من نوعه في تاريخ الملحقية منذ نشأتها، اجتمع فيه الطلبة والطالبات السعوديين الذين يتابعون دراستهم بالجامعات المغربية مع سعادته، الذي افتتح الملتقى الطلابي بكلمة عبر فيها عن سعادته وفرحته العارمة بشفاء خادم الحرمين الشريفين ملك الإنسانية مؤكدا أن هذا الملتقى يأتي احتفاء بمناسبة شفاء خادم الحرمين الشريفين وتعافيه من مرضه معددا خصاله وأفضاله على أفراد الشعب السعودي ودفعه بعجلة التقدم والتطور في المملكة بشكل لم يسبق له مثيل،،

كما أوضح الأستاذ ناصر البراق في كلمته أهمية التواصل بين الملحقية وكافة الطلبة من أبناء المملكة لمعالجة المشاكل المرتبطة بالتحصيل العلمي وعلاقة الطالب بالجامعة، وأكد على أهمية الحرص والجد والمثابرة في البحث والتحصيل من طرف الطلبة معتبراً أن عليهم أن يكونوا خير سفراء لبلدهم وأن يقدموا الصورة الحسنة عن الإنسان السعودي الملتزم والمتخلق بالأخلاق الحسنة .

البراق مؤسس الصالون الثقافي بالمغرب

فكرة الصالون الثقافي، من الأفكار الحديثة في ثقافة الملحقية الثقافية السعودية في المغرب، إذ مع قدوم الملحق الثقافي الجديد في سفارة خادم الحرمين الشريفين في المغرب ناصر بن نافع البراق، رأى هذا النوع من الأنشطة النور، بشكل منتظم، باعتباره “ورشة للعمل الدائم لربط الصلة بين المثقفين المغاربة، والتنظيم الثقافي الذي صار من التقاليد الإيجابية للملحقية الثقافية في المغرب”.

ويبدو أن إقدام ناصر البراق على إخراج هذا المشروع الثقافي المهم إلى حيز الوجود كان مثار تنويه من قبل كل الفعاليات الثقافية من مثقفين ومفكرين وأكاديميين ومبدعين، وكذا مسؤولين وصحفيين مهتمين بالشأن الثقافي عموما.

استضاف الصالون الثقافي شخصيات مهمة كالدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)، والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي، والناقد المغربي الدكتور سعيد يقطين أستاذ السرد بجامعة محمد الخامس، وأستاذ الإعلام في جامعة الإمام محمد، الدكتور عبد الله بن صالح الحُقيل.

 كما حل ضيفا في إحدى فصول الصالون، الدكتور محمد عدناني أستاذ البلاغة والنقد وتحليل الخطاب بجامعة محمد الخامس بالرباط، والشاعر السعودي عبد الله بن عبد الرحمن الزيد الذي حل ذات ليلة ضيفا على الملحقية في أمسية شعرية.

وتجدر الإشارة إلى أن كل المحاضرات والندوات واللقاءات التي استضافتها الملحقية شهدت حضورا نوعيا ومُلْفِتا لأكاديميين ولرجال الثقافة، والفن، والسياسة، والإعلام، ولرؤساء المراكز الثقافية لبعض الدول العربية بالمملكة المغربية، ولشخصيات سعودية، بل إن جمهورها تنوع ليشمل طلبة العلم من المغاربة والعرب الذين يتابعون دراساتهم العليا بمختلف الجامعات والمعاهد المغربية، حيث اغتنت كل اللقاءات بمداخلات واستفسارات تُجْلي ما غَمُضَ من أفكار المحاضِرين.

في عهده وعلى يديه استضيفت المملكة كضيف شرف وأنا أحد الشهود

في عهده وعلى يديه، حلت المملكة ضيف شرف في المعرض الدولي للكتاب والنشر بالدار البيضاء، وذلك خلال الدورة الثامنة عشر، التي انعقدت في فبراير من سنة 2012، حيث شهدت حضور حشد غفير من الشخصيات السياسية والإعلامية والشعبية العربية والغربية.

حضور المملكة العربية السعودية كضيف شرف، يؤكد الإرادة المشتركة القوية لتعزيز وتقوية أواصر الصداقة والتعاون بين الجانبين، عبر حضور ثلة من مثقفي ومفكري المملكة العربية السعودية في هذه التظاهرة الثقافية الكبرى.

كما يعتبر هذا الإنجاز التاريخي الكبير والغير مسبوق، ترجمة (وأنا شاهد ومرافق للدكتور ناصر)، للدينامية والنجابة التي كان يتمتع بها رحمه الله، كان كثيرا ما يشتكي من القيود والأعراف الديبلوماسية، التي تفرض نوعا من الالتزام والحذر، غير أن طموحه ورغبته في تحقيق أماله وآمال بلاده، وتوقيع أهداف كبرى، كان أقوى، فكان بحنكته وعزيمته وإصراره، يفكك تلك القيود، ولا يفتأ يستكين حتى يحقق تلك الأهداف والغايات.

ففي ليلة من ليالي أواخر سنة 2011 وبينما القوم منهمكون في وضع الخطط لتنظيم المعرض الدولي للكتاب، وما تعرفه هذه المناسبة الثقافية الكبرى من فعاليات وأنشطة موازية، ناداني لاجتماع فوري، وما كان لي أن أرفض طلبه، فأنا أعلم أن الأمر جلل وكبير.

ثم ما لبثنا معا وخلال أيام فقط، أن خطونا الخطوات الأولى والترتيبات التأسيسية بعد تمكنه رحمه الله من الاجتماع بوزير الثقافة وأخذه الموافقة من الجانب المغربي، قبل أن يعود للاشتغال مع مختلف الجهات والمصالح في المملكة التي يعينها هذا الأمر سواء كانت وزارة التعليم العالي أو الخارجية أو وزارة الثقافة إلخ…

وما وضعت فعاليات هذا المعرض أوزارها، وانفض الجمع، كل إلى سبيله، حتى تفتقت قريحة البراق بفكرة أخرى لا تقل جنونا عن سابقتها، ثم ناداني من جديد، وسألني أول ما لاقاني “ألا يمكن أن نقيم جولة ثانية من جولات الضيافة فتكون المملكة المغربية ضيف شرف في معرض الرياض الدولي للكتاب في السنة المقبلة؟”، وهكذا انطلقنا مجددا في الترتيب كما الأول بداً من لقاء الوزيرين (وزير الثقافة ووزيرالاتصال)، وبقية القصة يعرفها الجميع.

رحل صاحب القلب الكبير إلى رب كريم

رحل البرَّاق، لم أصدق، أعذروني فأنا أرثي ناصرا ونافعا وبراقا، لن يتوارى ذِكرهُ، وستبقى صنائعه خالدة ولن يجود الزمان بمثلهِ، شهماً شريفاً طيفه أشجان، لم أصدق رحيله، ولا زلت أرى ظله وما ظني إلا أنه حي شهيد، أسره الموت قسرا، وهو عند ربه ضيفا كريما عزيزا، لا بد أننا قريبا سنلقاه.

رحمه الله تعالى غادرني وغادر بلده الثاني، وكأنما جاء يزورني لآخر مرة، وليودعني، جاء ليبصم آخر بصمة في بلاد أحبها وعشق أهلها، ولا زلت رغم انقضاء أيام عن وفاته أتلقى عشرات الرسائل والمكالمات، من مسؤولين وأساتذة ومثقفين لم أكن أعرف أن للرجل كل هذه الحظوة، التي صنعها بشيمه الإنسانية وبقلبه الكبير.

*صحافي مغربي ومستشار إعلامي

(موظف سابق في الملحقية الثقافية السعودية بالرباط)

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :ملاحظة هامة: الآراء الواردة في هذا الركن لا تمثل بالضرورة رأي أو توجه هيئة تحرير جريدة الثالثة، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها فقط.