توجيهات منهجية في اختيار التخصص بعد الباكالوريا

توجيهات منهجية في اختيار التخصص بعد الباكالوريا

د. مصطفى فاتيحي*

2020-07-10T15:02:00+01:00
2020-07-10T15:02:04+01:00
ثقافةمقالات الرأي
10 يوليو 2020
توجيهات منهجية في اختيار التخصص بعد الباكالوريا
د. مصطفى فاتيحي

لا حديث يعلو – بعد انتهاء امتحانات الباكالوريا-  فوق الحديث عن المعدلات وعن المؤهل لولوج المدارس العليا من غيره، وسيتبادل الناس التهاني والتبريكات، وهم فريقان: فريق سيكون فرحا مسرورا مباهيا بنتائج أبنائه وما حققوه، وآخر ساخط شاتم ناقم صاب جم غضبه على المدرسة والواقع، ومن طبيعة الحال حصة الأسد من التهم واللائمة والمسؤولية سينالها الأساتذة.

كم من تلميذ سيكال له هذه الأيام من الإهانات والشتائم ما الله وحده به عليم، لأنه لم يحصل على المعدل المطلوب الذي ترجوه الأسرة.

يبدو أن قدر الأجيال المتعاقبة أن تقع في نفس المتاهات والمطبات، وأن يتم تصدير الأزمات وإعادة إنتاج المشاكل والمعضلات، من ذلك ما يشكل اليوم على التلاميذ الناجحين في امتحانات الباكالوريا. فبعد تلاشي فترة الفرح والسرور بالفوز والنجاح يبدأ مسلسل أخر من المتاعب والحيرة والتيه في دروب موجهات ومنطلقات اختيار التخصص الجامعي خصوصا الذين لم يتمكنوا من الحصول على المعدل الذي يؤهلهم للولوج للمدارس العليا ليجدوا أنفسهم أمام مصائر مجهولة تصطرع فيها الآمال والآلام  والأحلام، وهو الأمر الذي يسائل المنظومة التربوية مرة أخرى عن التأطير والتوجيه المحكمين بدل الارتجال والعفوية. علما أن هناك مواقع إلكترونية تنشر موضوعات حول أفاق الدراسة بعد الباكالوريا ولكن لا أعتقد أن ذلك يسد الخلة ويقيل العثرة.

إن هذا المشكل عويص للغاية لارتباطه بمصير الشباب رجال الغد والمستقبل، هذا المشكل يتداخل فيه ما هو سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي، مما يستلزم عدم ترك فلذات أكبادنا تواجه مصيرها لوحدها دون معين ولا مرشد، وبعد ذلك نصدر الأحكام في حقها وعن مستواها ومسؤوليتها. فعين المتتبع لا تخطئ أن هناك نوع من اللاتوازن بين الكليات ذات الاستقطاب اللامحدود، مما شأنه أن تكون له عواقب وخيمة على مستوى التدبير والاكتظاظ وتنظيم الامتحانات، وعلى المردودية والتكوين الأكاديمي الرصين.

كانت الجامعة إلى عهد قريب مورد الأطر والكفاءات في كل الميادين، واليوم تعيش أوضاعا لا تحسد عليها نتيجة المد العولمي الكاسح الذي أصبح يتعامل مع المعرفة بمنطق الوجبات السريعة faste Food- – ومن ثم فإن التكوين الأكاديمي الرصين لم يعد له مكان في سوق الشغل الذي يتطلب مهارات تقنية محددة والجامعة ليست مكانا لإنتاجها مما يقودنا إلى الحديث المر والمُمض حول فرص الشغل التي تتيحها الشهادات الجامعية.

باستحضار هذا وغيره نحن بأمس الحاجة اليوم إلى الاشتغال بمنطق المشاركة والعمل الجماعي القائم على التنسيق بين المؤسسات لتحديد حاجيات البلد من هذا التخصص أو ذاك، ومواكبة شبابنا ومده بالمعطيات اللازمة لتتضح الصورة أمامهم ولا يتم استدراجهم إلى ما يدمر مستقبلهم.

وبعيدا عن هذه الأجواء المحمومة بجلبتها وجلجلتها المدوية التي تصم الأذان بطنينها الصاخب، لنفكر بهدوء، ونطرح بعض التساؤلات من باب التفاعل والتأمل لا من باب الحسم والقطع، لأن الأمر أصبح ظاهرة، وعندما يتحول شيء ما إلى ظاهرة يكون من الخفة العلمية والنزق المنهجي تناوله بشكل حدي هندسي صارم وإنما حسبنا التنبيه وتبادل الآراء.

ولذلك يحسن بداية مساءلة الفلسفة البداغوجية التي تؤطر المنظومة التربوية المغربية عن مواصفات المتعلم ووظائف المدرسة والأدوار  التي تضطلع بها.

عندما نفتح أي كتاب مدرسي نجده مدبجا في صفحاته الأولى بأن البرنامج يستهدف الكفايات الآتية: الاستراتيجية والمنهجية الثقافية والتواصلية والمنهجية.

و ينص الميثاق الوطني للتربية والتكوين على ضرورة النهوض بوظائف كاملة تجاه الأفراد والمجتمع وذلك:

  • بمنح الأفراد فرصة اكتساب القيم والمعارف والمهارات التي تؤهلهم لاندماج في الحياة العملية، وفرصة مواصلة التعلم كلما استوفوا الشروط والكفايات المطلوبة وفرصة إظهار النبوغ كلما أهلتهم قدراتهم واجتهاداتهم.
  • بتزويد المجتمع بالكفاءات من المؤهلين والعاملين الصالحين لإسهام في البناء المتواصل لوطنهم عبر جميع المستويات كما ينتظر المجتمع من النظام التربوي أن يزوده بصفوة من العلماء وأطر التدبير ذات المقدرة على ريادة نهضة البلاد عبر مدارج التقدم العلمي والتقني والاقتصادي والثقافي.
  • وحتى يتسنى لنظام التربية والتكوين إنجاز هذه الوظائف على الوجه الأكمل ينبغي أن تتوخى كل فعالياته وأطرافه تكوين المواطن المذكورة.
  • تكوين شخصية مستقلة ومتوازنة ومتفتحة للمتعلم المغربي تقوم على معرفة دينه وذاته ولغته وتاريخ وطنه وتطورات مجتمعه.
  • إعداد المتعلم المغربي لتمثل واستيعاب إنتاجات الفكر الإنساني في مختلف تمظهراته ومستوياته، ولفهم تحولات الحضارات الإنسانية وتطورها.
  • إعداد المتعلم المغربي للمساهمة في تحقيق نهضة وطنية اقتصادية وعلمي وتقنية تستجيب لحاجات المجتمع المغربي وتطلعاته
  • يشير الكتاب الأبيض على مجالات كبرى مرتبطة بالكفايات هي:
  • –                                                 – الكفايات المرتبطة بتنمية الذات
  • –                                                 – الكفايات القابلة للاستثمار في التحول الاجتماعي
  • الكفايات القابلة للتصريف في القطاعات الاقتصادية

إن التربية على القيم والاختيار واتخاذ القار لا ينفصلان عن بعضها البعض في المنهاج الدراسي المغربي باعتبارهما يستهدفان بناء الذات في كليتها وشموليتها، فالاختيار واتخاذ القار في مضامين الميثاق الوطني للتربية والتكوين والكتاب الأبيض وبصفة خاصة الوثيقة الإطار يهمان عدة جوانب مرتبطة بالمتعلم في علاقة بذاته وبالمحيط، وتتضح هذه الجوانب في ما يلي:

  • إن بناء ذات المتعلم يستلزم التوازن النفسي والاجتماعي والعاطفي والسلوكي، كما يستوجب كل هذا فضلا عن ذلك التربية على الاستقلالية، والوعي بالواجبات والحقوق الفردية والجماعية والتحلي بالمبادرة وتحمل المسؤولية، ويرتبط هذا الجانب بقيم المواطنة المسئولة والفاعلة.

تتجلى التربية على الاختيار واتخاذ القرار في العلاقة مع الغير متمثلة في احترام الرأي المخالف والتسامح والعمل الجماعي، والانخراط في المشاريع الفردية والجماعية.

إن التربية على الاختيار واتخاذ القرار تستهدف تكوين مواطن مسؤول متضامن مدافع عن القضايا التي تهم الجماعة كالقضايا البيئية والوطنية، مواطن متشبع بقيم الواجب والاحترام والتسامح…إلخ

تسعى المدرسة المغربية الوطنية الجديدة إلى أن تكون :

مفعمة بالحياة بفضل نهج تربوي نشيط يجازو التلقي السلبي والعمل الفردي إلى اعتماد التعلم الذاتي، والقدرة على الحوار والمشاركة في الاجتهاد الجماعي.

مفتوحة على محيطها بفضل نهج تربوي قوامه استحضار المجتمع في قلب المدرسة والخروج إليه منها بكل ما يعود بالنفع على الوطن مما يتطلب نسج علاقات جديدة بين المدرسة وفضائها البيئي والمجتمعي والثقافي والاقتصادي.

تعمدت أن أسوق هذه النصوص دون تعليق ولولا خشية الإطالة لذكرت نصوصا أخرى، وكان الهدف من ذلك الوقوف على المفارقة الصارخة والصادمة بين ما هو منصوص عليه في الوثائق الرسمية وما أل إليه الواقع الذي أرجع المدرسة إلى منهجية التلقين رغبة في أعلى النقاط والدرجات، أعتقد أنه لا يستقيم التعليم المتمركز حول المتعلم إذا ربط بالمعدلات الضخمة- لا يمكن الحديث عن جودة التعليم في هذا الإطار وفي ظل هذا الصراع المحموم تتشكل تلقائيا شبكات الغش بشكل مباشر وغير مباشر – الساعات الإضافية الإبداع في وسائل الغش باستعمال أحدث الأجهزة الالكترونية، حيث وصل الأمر إلى العمليات الجراحية والتصوير المصغر، تهديد المراقبين بل أصبح الغش في بعض المناطق حقا مشروعا مكتسبا.

ومن هنا فإن المقاربة الأمنية ستظل تراوح مكانها إذا لم يتم تهيئ المناخ المناسب فالساعات الإضافية مثلا هي مطلب الآباء والأولياء قبل أن تكون مطلب الأساتذة.

وهنا نبري مشكل مهم يتمثل في مشكلة التوجيه حيث يكتفي الموجهون بذكر عتبات الانتقاء والآفاق وما يتعلق بالشغل وسلم الأجور وعدد سنوات الدراسة دون إدراك لحاجات البلد في هذا التخصص أو ذاك ودون تتبع لفهم حاجيات التلاميذ وإمكاناتهم، ليصبح التوجيه عملا تقنيا صرفا.

وثالثة الأثافي أننا لا نلبث في نقد هذه الأطر ورميها بعدم الكفاءة وطغيان الجانب المادي  وعدم الوطنية والإنسانية. فهل يا ترى ينتظر عمل اجتماعي أو وطني من إنسان ربي على منطق التعاقد بدل التراحم بتعبير المفكر عبد الوهاب المسيري؟. كيف ينتظر من إنسان حقن وضخ في وجدانه ألا سبيل إلى الحصول على مركز اجتماعي مرموق إلا بالولوج إلى المدارس العليا وهذه الأخيرة لا سبيل لها إلا بالمعدلات العليا على حساب مهارات أخرى؟ فلم يدخر وسعا من خلال الساعات الإضافية والترحال في المؤسسات الخصوصية لينال بغيته.

ثم إن إقصاء المهارات المتعددة يحول دون إيجاد وانتقاء أحسن الكفاءات الوطنية فهل يكفي مثلا المعدل على أهميته لانتقاء أمهر الأطباء أو المهندسين.

إن هذا الوضع يفرز ظواهر غريبة في المجتمع من مثل توقف أطر البلد عن العطاء والبحث في الغالب الأعم بمجرد الحصول على الوظيفة التي أقنعه الواقع والخريطة الذهنية أنها الوظيفة المرموقة. وهكذا نصبح نحوم في دوامة مفرغة من الإنتاج وإعادة الإنتاج لقوالب مصبوبة.

وفي ذات السياق يحق لنا أن نتساءل ونحن نجيل النظر في وضع الأمم الرائدة والمتقدمة وما توليه من اهتمام للتنظير والفكر والتخطيط، ألسنا بحاجة إلى أطر فكرية متفوقة ورائدة في علوم التربية والعلوم السياسية والاجتماعية والدينية والشرعية والفلسفية، ألسنا بحاجة إلى قامات وهامات إعلامية وكفاءات فنية؟. متى نرى تلاميذ متفوقون وحاصلون على معدلات كبيرة يختارون عن طواعية علم الاجتماع والقانون والشريعة والفلسفة والفن والإعلام؟                   

لنترك ”دانييل جولمان” في كتابه الرائع الذكاء العاطفي يجيبنا عن ذلك من خلال بعض الفقرات المنتقاة من الكتاب.

جاء في الكتاب ”وربما كان أكثر أجزاء هذا الكتاب إثارة للقلق هو ذلك المـسـح الـبـحـثـي الذي أجري على عدد ضخم من الآباء والمعلمين والذي كـشـف عـن اتجـاه سائد في صفوف أطفال الجيل الحالي في العالم كله يتمثل في كونهم أكثر اضطرابا عاطفيا من الجيل السابق وأكثر إحساسا بالوحدة وأكثر اكتئابا وأكثر غضبا وجموحا وأكثر عصبية وقلقا وأكثر اندفاعا وعدوانية. وإذا كان ثمة علاج فإنني أتصور أنه سيكمن بالضرورة في الكيفية التي نعد بها صغارنا لمواجهة الحياة. ونحن نترك أمر التعليم العاطفي لأطفالنا في الوقت الحاضر لعامل المصادفة وهو مـا يـتـرتـب عـلـيـه نـتـائـج وخـيـمـة بصورة متزايدة. ومن ثم لابد من نظرة جديدة للدور الواجب على المدرسة

أن تضطلع به من أجل تعليم طلابها بحيث يجمع التعليم فيها بثقافتي العقل والقلب. وأخيرا سوف تنتهي رحلتنا معا بزيارات لفصول تعليم ابتكارية تسعى إلى أن توفر للأطفال خلفية معرفية لأسس الذكاء العاطفي. وبإمكاني أن أتنبأ بيوم سيصبح فيه التعليم متضمنا بصورة روتينية مناهج لـغـرس قدرات مثل التعاطف مع الآخرين وضبط النفـس والـوعـي بـالـذات وفـن الاستماع وحل الصراعات والتعاون.ص 14

”دعنا نتأمل أيضا بيانات دراسة أجريت على ٨١ طالبا من خريجي دفعة ١٩٨١ في مدارس «إلينويز» Illinois الثانوية. كان كل أولئك الطلبة قد حصلوا في المتوسط على أعلى الدرجات. ولكن مع مواصلة الدراسة في الكلية وقد بلغوا العشرينيات حيث حصلوا على درجات الامتياز نجد أنهم لم يحققوا في نهاية العشرينيات سوى مستوى نجاح عادي. وبـعـد عـشـر سـنـوات مـن تخرجهم في المدرسة الثانوية نجد أن واحدا فقط من كل أربعة استطاع أن يصل إلى أعلى مستوى في المهنة التي اختارها مقارنة بأقرانـه فـي عـمـره نفسه في حن€ لم يحقق الكثيرون مثل هذا القدر من النجاح. وفي هذا الصدد تشرح لنا «كـاريـن أرنـولـد» karen Arnold أستاذة علـم التربية بجامعة بوستون وهي من الباحثات المتابعات لخط سير الخريج€ تقول: «أعتقد أننا اكتشفنا أن هؤلاء الأولاد المطيعين€ الذين يعرفون كيـف يحققون نجاحا في النظام التعليمي هم أنفسهم الخريجون الذين يناضلون بعد تخرجهم كما نناضل نحن تماما. وعندما نعرف أن هذا الطالب المتفوق من الخريجين€ أو الطلبة قد تفوق دراسيا بمقياس الدرجات فحسب. فهذا التفوق يقول لنا إنه ليس مؤشرا إلى ما يحدث في الحياة من تقلبات». والواقع أن هذه هي المشكلة حقا: فالذكـاء الأكـاديمـي لا يـعـد المـرء فـي الواقع لما يجـري فـي الحـيـاة بـعـد ذلـك مـن أحـداث مـلـيـئـة بـالاضـطـرابـات والتقلبات أو لما تتضمنه من فرص. ومـن ثـم فـإن أي ارتـفـاع فـي مـسـتـوى معامل الذكاء لا يضمن الرفاهية أو المركز المتميز أو السعـادة فـي الحـيـاة. ذلك لأن مؤسساتنا التـعـلـيـمـيـة وثـقـافـتـنـا تـقـف فـي ثـبـات عـنـد الـقـدرات الأكاديمية متجاهلة الذكاء العاطفي. والذكاء العاطفي مجموعة من السمات قد يسميها البعض صفات شخصية لها أهميتها البالغة في مصيرنا كأفراد. فالحياة العاطفية ميدان يمكن التعامل معه مثل الريـاضـيـات والـدراسـات بدرجات متفاوتة من المهارة وهي تتطلب أيضا مجموعة من القدرات الفريدة الخاصة بها وكيف يتميز الإنسان بمهارة تتطلب تفهما في الحالات الحرجة. أيضا لماذا يناضل إنسان في الحياة بينما تصبح حياة إنسـان آخـر يـتـمـتـع بذكاء الأول نفسه حياة راكدة خاملة? لا شك في أن الاستعداد العاطفي وهو قدرة أرقى يحدد كيفية استخـدام المـهـارات الـتـي نـتـمـتـع بـهـا أفـضـل استخدام بما فيها ذكاؤنا الفطري. ص 57- 58

يقف «هوارد جاردنر» Haward Gardener العالم السيكولوجي بكلية التربية بجامعة هارڤارد  وراء مشروع تحليل القدرات والمواهب. قال لي ذات مرة «لقد حان الوقت لكي نوسع فكرتنا عن تحليل القدرات والمواهب، والواقع أن الإسهام الأهم الوحيد للتعلم بالنسبة لنمو الطفل هو مسـاعـدتـه عـلـى التوجه إلى مجال يناسب مواهبه ويشعر فيه بالإشباع والتمكن لقد افتقدنا تماما هذه الرؤية وبدلا منها مازلنا نخضع كل فرد إلى نوع من الدراسة إذا نجح فيها لن يكون في أحسن الأحوال أكثر من أستاذ في إحدى الكليات. كما أننا نكتفي بتقييم كل فرد وفقا لما حققه في مسيرة حياته بهذا المستوى المحدود من النجاح. ثمة واجب علينا أن نقلل من الوقت الذي ننفقـه فـي تحديد مستويات الأطفال ونبذل وقتا أطول في مساعدتهم عـلـى تحـديـد قدراتهم و مواهبهم الفطرية ونقوم برعايتها وتنميتها. هناك مئات ومئات من سبل النجاح وعديد من القدرات المختلفة التي ستساعدنا على تحقيق ذلك  ص59- . 60

وقد تـوصـلـت فـي الـسـنـوات الأخـيـرة مـجـمـوعـة مـتـزايـدة مـن الـعـلـمـاء السيكولوجيين€ إلى نتائج متشابهة اتفقوا فيها مع «جاردنر» على أن مفاهيم معامل الذكاء القديمة تدور حول مـجـمـوعـة ضـيـقـة مـن المـهـارات الـلـغـويـة والرياضية التي تجعل اختبارات معامل الذكاء مناسبة تماما كمؤشر مباشر للنجاح في الفصول الدراسية أو في وظيفة أستاذ. لكنها لا تصلح كـثـيـرا مؤشرا يهتدى به في سبل الحياة المتشعبة والمختلفة عن البيئة الأكاديمية. كان لهؤلاء العلماء السيكولوجيين€ ومن بينهم «ستيرنبرج» و«سالوڤي» رؤية أوسع للذكاء حاولوا بها أن يعيدوا اكتـشـاف مـفـهـوم الـذكـاء بـحـيـث يـكـون متفقا مع مقتضيات النجاح في الحياة. أعادت هذه المجموعة من التساؤلات الاستفسارية تقدير الأهمية الحاسمة لـلـذكـاء  الـشـخـصـي أو مـا يـسـمـى بالذكاء العاطفي. ص 67

عندما نرجع إلى المرجعيات النظرية للمقاربة بالكفايات والمرجعيات النظرية للكتاب المدرسي المغربي نجدها تنهل مما ذكر سابقا وتحاول جاهدة تصحيح المسار، لكن الخريطة الذهنية الإدراكية كانت لها بالمرصاد حيث انتصرت في النهاية المقاربة النفعية.

إن الزمن الذي نعيشه زمن المؤسسات التي يلزمها أن تكون في خدمة المواطن من أجل بناء حس المواطنة لديه.

وذلك يفترض أن يكون عندنا دراسات علمية تحدد حاجيات البلد على المستوى المستقبلي من الكوادر ونوع التكوين المطلوب، ومعرفة الأعداد التي نحتاج إليها تلافيا لكي لا تساهم المؤسسات في البطالة ثم تتنصل من مسؤوليتها.

فمتى يمكن القطع مع سياسة الترقيع والارتجال والعمل بالبرامج والمخططات لانقاذ أجيالنا الضائعة. ؟

متى ندرك أهمية الرأسمال البشري في الإقلاع الحضاري فنكف عن هدره؟

وفيما يلي بعض المقترحات التي يمكن أن تخفف من حدة المشكل إلى حد ما :

  • عقد أيام دراسية في النيابات والأكاديميات والتنسيق مع هيئات المجتمع المدني من أجل نقاشات موسعة في الموضوع، وحسن التوجيه، والاستماع للإنتظارات وتقدير الإمكانيات.
  • تقديم برامج إعلامية في القنوات العمومية يحضر فيها خبرات من مشارب وتخصصات مختلفة لتسليط الضوء على القضية وتنوير الرأي العام وتقديم مقترحات استباقية.
  • تزويد الموجهين بما يلزم من معطيات وإمكانيات ومعدات لتسهيل عملية التواصل بالتلاميذ وأوليائهم.
  • إنشاء مواقع إلكترونية متخصصة في التوجيه والتأطير يشرف عليها مختصون وذووا الكفاءات المطلوبة في الميدان بعيدا عن الهواية والترميم.

نخلص مما سبق ذكره إلى أن اختيار التخصص بعد الحصول على الباكالوريا يعد مرحلة مهمة في مسيرة الطالب العلمية، ويشكل حسن الاختيار عاملا أساسيا في تحقيق النجاح المنشود، ومنه أهمية ما يلي:

  • ضرورة أن يتجنب الآباء وأولياء الأمور الضغط النفسي على الأبناء، وعدم قسرهم على اختيار تخصص معين، ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض الآباء محاولتهم دفع أبنائهم إلى تحقيق أحلامهم وآمالهم التي لم يفلحوا في تحقيقها، فقد يكون حلم الأب لما كان طالبا أن يلج معهدا من المعاهد العليا، وإذ لم يحقق ذلك يسعى إلى تحقيقه من خلال ابنه، وهذا خطأ جسيم يحصل بحسن نية ولكنه يلغي شخصية الطالب ويدمر إمكانات الإبداع عنده.
  • ضرورة مراعاة الإمكانات العلمية والمؤهلات التي يحتاجها كل تخصص، وتجنب أحلام اليقظة.
  • اختيار التخصص الذي يحس الطالب أنه سيكون فيه من الأوائل.
  • تجنب اختيار التخصص تقليدا وغيرة أو تحديا وغرورا.
  • جمع المعطيات الكافية عن التخصص المرغوب من أهل الاختصاص وليس من الهواة.( آفاق الشغل، والحاجيات المادية، سنوات الدراسة، المؤهلات العلمية، والإكراهات في العمل في بعد…).
  • عندما يسأل شخص ما عن تخصص، ليس من السليم منهجيا الاختيار بدل الطالب ودفعه إلى اختيار معين، بل تضع المعطيات أمامه ثم تبين له أن يختار بنفسه، ليتحمل المسؤولية.
  • من التقنيات التي ينصح بها الخبراء في ميدان التوجيه القراءة في مراجع ومصادر التخصص ويـتأمل الطالب في شعوره تجاه ذلك الحقل المعرفي، فإحساسه بالارتياح مهم جدا.

وعموما فإن قضية التخصص لا ينبغي أن تترك للعفوية، بل لا بد من استثمار ما تتيحه وسائل التواصل الحديثة من إمكانات لجمع المعطيات وسؤال الأساتذة والمختصين والطلاب السابقين.

* الدكتور مصطفى فاتيحي: باحث في علوم التربية  

المراجع :

الميثاق الوطني للتربية والتكوين

الدليل البداغوجي للتعليم الابتدائي

دليل الحياة المدرسية

الذكاء العاطفي دانييل جولمان

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :ملاحظة هامة: الآراء الواردة في هذا الركن لا تمثل بالضرورة رأي أو توجه هيئة تحرير جريدة الثالثة، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها فقط.