بايدن وتحدي “الترامبية”.. هل يختطف “الإرهاب المحلي” أمريكا؟

بايدن وتحدي “الترامبية”.. هل يختطف “الإرهاب المحلي” أمريكا؟

أسماء غازي
خارج الحدودسياسة
31 يناير 2021

أجرت “عربي21” حوارا مع الخبير في الشأن الأمريكي، أسامة أبو ارشيد، لتسليط الضوء على ما بات يطلق عليه “الإرهاب المحلي” في الولايات المتحدة، والمرتبط بحالة التماهي بين مواقف الرئيس السابق، دونالد ترامب، وجماعات عنيفة، تؤمن بنظرية المؤامرة.

ورغم قطع إدارة الرئيس الجديد، جو بايدن، أشواطا كبيرة في إصدار القرارات والمواقف في الشأن الخارجي، إلا أن أغلبها بقي مرتبطا بإرث ترامب، ومن ذلك ملف السلام مع حركة طالبان الأفغانية، وصادرات السلاح للسعودية والإمارات، والموقف من القضية الفلسطينية، فضلا عن العودة لاتفاقيات تم تمزيقها خلال السنوات الأربع الماضية.

ويطرح ذلك تساؤلات حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستبقى رهنا للهواجس الداخلية العائدة بقوة من الإرث العنصري للبلاد، وحول ما يريده الديمقراطيون من معركتهم الداخلية، التي يواصلون خوضها رغم انتزاعهم البيت الأبيض والكونغرس بغرفتيه.

وتطرق أبو ارشيد في حديثه إلى سيناريوهات لأداء إدارة بايدن داخليا وخارجيا خلال السنوات الأربع المقبلة، ومصير ترامب، وحالته التي باتت تهدد مستقبل الحزب الجمهوري، فضلا عن صورة الولايات المتحدة خارجيا، ونسيجها الاجتماعي داخليا.

وتاليا نص الحوار:

يدور حديث عن انشغال إدارة بايدن بمواجهة ما بات يطلق عليه “الإرهاب المحلي” على حساب السياسة الخارجية.. إلى أي مدى يبدو ذلك صحيحا؟

لا شك في أن استغراق أي رئيس أو إدارة بملفات داخلية يؤثر على اهتمامها بسياساتها الخارجية، لكن ذلك لا يعني الإلغاء، إنما قد يحدث بعض التراجع.

إدارة بايدن ستجد نفسها أمام هذه المعضلة؛ ستجد أنها تواجه ملفات داخلية كثيرة، الإرهاب المحلي أحدها، لكن هناك ملفات أكثر خطورة وتأثير على اهتمامها بالسياسة الخارجية.

ومن أهم تلك الملفات مكافحة فيروس كورونا المستجد واحتواؤه، حيث أن البلاد هي الأكثر تضررا جراءه حول العالم، وهو ما انعكس سلبا على الاقتصاد، ما يخلق بدوره هاجسا آخر، فضلا عن محاولة إلغاء أربع سنوات من إرث دونالد ترامب فيما يتعلق بسياسات الهجرة والسياسات الضريبية والاقتصادية وغيرها، ولا شك في أن ذلك كله سيكون له تأثير على أولوية السياسة الخارجية.


وفيما يتعلق بما بات يطلق عليه الإرهاب المحلي تحديدا، لا شك أيضا في أنه أحد القضايا الأساسية التي تواجهها إدارة بايدن، وهو متعلق بقضية أكبر، هي ذلك الشرخ المجتمعي عموديا وأفقيا، الذي لا يتحمل ترامب وحده المسؤولية عنه، إلا أنه ساهم بتعميقه وجعله أكثر عنفا، ومنحه منصة رئاسية ووجها رسميا.
ترامب أضاف البعد العنيف وعبّر عن مشاعر دفينة لدى الملايين إن لم يكن لدى عشرات الملايين من الأمريكيين.

ومما نراه اليوم من الإرهاب المحلي الذي تتحدث عنه الأجهزة الأمنية، وصولا إلى التحذير من الاختراقات في تلك المؤسسات ذاتها، فضلا عن الجيش، من قبل جماعات البيض العنصريين، فإنه ما من شك أن هذا الملف سيكون مركزيا بالنسبة لإدارة بايدن.

لكن القضية الأكبر، كما ذكرت، تتمثل في كيفية التعامل مع مصدرها، أي ذلك الشرخ المجتمعي، الذي تأجج بنظريات المؤامرة، التي ضخم صوتها دونالد ترامب، خلال رئاسته، ومنها ما يعرف بـ”كيوأنون”، ومزاعم تزوير الانتخابات، وبأن الدولة العميقة بالتعاون مع رجال الأعمال ومغتصبي الأطفال تآمروا على الرئيس الذي كان يحاربهم بشكل سري، بزعمهم.

ورغم أن بايدن فاز أخيرا واستلم الرئاسة، وتراجعت شعبية ترامب، خاصة بعد أحداث الكونغرس، إلا أن الأخير لا يزال يحتفظ بتأييد 34 بالمئة من الأمريكيين، وهذا رقم ليس سهلا، خاصة أن أغلبهم هم ممن يعتبرون عصب أمريكا، وهم البيض، وهذا ما يؤثر على لحمة الشعب الأمريكي وصورة الولايات المتحدة ونموذجها.

لقد كان لبايدن ورقة نشرها في مجلة فورين أفيرز بإصدارها مارس- أبريل 2020، تحدث فيها عن استعادة الولايات المتحدة للقيادة الأخلاقية، وعن إعادة ترميم الديمقراطية والقيم الأمريكية، وبأننا لا نحكم فقط بنموذج القوة ولكن أيضا بقوة النموذج، وهذا تحديدا، أي نموذج نقل السلطة بشكل سلمي من إدارة إلى أخرى ومن رئيس إلى آخر تضرر بشكل كبير بسبب ما جرى بعد الانتخابات من رفض ترامب الاعتراف بالهزيمة، ثم مشهد اقتحام لرمز قداسة الديمقراطية الأمريكية، الكونغرس.

سيؤثر هذا بشكل كبير على القيادة الأخلاقية التي تحدث عنها بايدن في ورقته، وعلى قدرة الولايات المتحدة على قيادة العالم من جديد بقوة النموذج والقيم الأمريكية التي تحدث عنها بايدن.

لا يعني ذلك أن ما حدث ويحدث سيحيّد القيادة الأمريكية، لكنه ضعضع من صورتها ومن أركانها وقوتها.

كيف تتوقعون أن تؤثر المخاوف الدخلية على سياسة بايدن الخارجية، وما هي الملفات التي قد تتأثر بتلك المخاوف؟

لا شك في أن هذا يضعف موقف الولايات المتحدة خاصة في التعامل مع الصين، واتهامها بأنها دولة قمعية، وبممارسة الإبادة بحق المسلمين الإيغور، وبشأن روسيا أيضا، التي تتهمها واشنطن أيضا بقمع الاحتجاجات والأصوات المعارضة، بما في ذلك مؤخرا اعتقال أليكسي نافالني.


ويعود ضعف الموقف الأمريكي في مثل هذه الملفات إلى مشهد اقتحام الكونغرس والإرهاب المحلي الذي يبدو أنه قد تسلل إلى عصب السلطة الأمريكية، وهو ما دفع إلى إطلاق تحقيقات في داخل الأجهزة الأمنية والجيش للبحث عن كل من يتبنى نظريات التفوق العنصري للبيض وأجندة المليشيات المسلحة العنفية في الولايات المتحدة.

وتضرر موقف أمريكا وصورتها وقدرتها على الحديث باسم “النموذج” ينسحب كذلك على التعامل مع دول مثل السعودية، التي تقول أصوات في واشنطن إنها يجب أن تعاقب على خلفية جريمة قتل الصحفي الراحل جمال خاشقجي وبأنها تخوض حربا دموية في اليمن، وسط دعوات لوقف إمدادها بالسلاح، وكذلك للإمارات، فضلا عن مصر التي تطالبها أصوات بالإفراج عن المعتقلين السياسيين، لكن مصداقية الولايات المتحدة مهزوزة هنا.

هل انتهت قدرة أمريكا على التأثير بسبب أزمتها الداخلية؟ لا، لكنها ولا شك قد تأثرت.

ألا يبدو أن ترامب، رغم كل ما أثاره من قلق داخليا، كان قد عمل في سياق التوجه الأمريكي الاستراتيجي في ملفات الشرق الأوسط والعلاقة مع الصين؟

لا شك أن الإطار العام للاستراتيجية الأمريكية بقي قائما لكنه تعرض للكثير من التهشيم، وأقصد بذلك أن الولايات المتحدة تقارب الصين على أنها الخصم الاستراتيجي المركزي، لكن إدارة ترامب لهذا الملف كانت فوضوية؛ إذ لم توجد سياسة منسجمة، ولا تصور لكيفية احتواء الصين، فدخل بمعارك جمركية، وهو ما ترتب عليه دفع ثمن من جانب الولايات المتحدة، كما طالت حلفاء كالاتحاد الأوروبي وكندا والمكسيك، وهذا ما يعد دليلا على الفوضوية في المقاربة.


وتجلت تلك الفوضوية كذلك في افتعال معارك مع حلف شمال الأطلسي الناتو والتسبب بإضعافه رغم حاجة الولايات المتحدة له في استراتيجية احتواء تمدد الصين، فضلا عن انسحابه من مساع لتشكيل تكتل اقتصادي يضم اليابان وكوريا الجنوبية وقوى جنوب شرق آسيا، وهو ما خلق فراغا تمكنت الصين من ملئه.

وإذن، فبالرغم من عمل ترامب في إطار استراتيجية تعتبر الصين هي الخصم الاستراتيجي المركزي للبلاد، إلا أنه كان يدير ذلك الملف بكثير من الفوضوية.

أما بشأن العلاقة مع روسيا، فقد أحدث ترامب نوعا من محاولة الانقلاب على المقاربة الأمريكية لروسيا، التي تعتبر أن روسيا هي الأخرى خصم مركزي آخر، وظهر ذلك في دفاعه عنها عندما اتهمت بالتدخل في انتخابات عام 2016.

وسواء كانت تلك الاتهامات لموسكو محقة أم لا، فإن ترامب تبنى خطاب فلاديمير بوتين رغم أن الاستخبارات الأمريكية أكدت ذلك التدخل.

وأن يقوم رئيس أمريكي بتكذيب استخباراته على الملأ في مؤتمر صحفي بقمة هيلينسكي التي جمعته ببوتين، فإن ذلك يعد مؤشرا على وجود أزمة، وهو نوع آخر من الفوضى التي مارسها، ودليلا آخر على غياب المقاربة رغم أن المؤسسة الأمريكية ظلت تنظر لروسيا بارتياب، وبقيت تحاول محاصرة تمددها، فيما كان هناك رئيس يحاول إضعاف تلك المساعي.

وفي الشرق الأوسط، إذا تحدثنا عن الانحياز لصالح إسرائيل والتواطؤ معها، فقد أضاف ترامب بعدا آخر لم تضفه إدارة سابقة، وهو التماهي المطلق مع أجندة تيار أيديولوجي في إسرائيل، أي اليمين الصهيوني، وليس مع الدولة (الاحتلال)، بحيث تحولت إدارته إلى قناة لتمرير أجندة اليمين الصهيوني في الولايات المتحدة وفرضها على المنطقة، وليس مجرد التواطؤ معها كما كنا نشهد تحت الإدارات السابقة، التي كانت تمارس انحيازا، هو أيضا إجرامي، ولكن رأينا حالة من التماهي في ظل ترامب.

وأسفر عن ذلك التماهي اعتبار القدس (المحتلة) عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة إليها، والاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان المحتل، والضغط على الدول العربية لتوقيع اتفاقات سلام وتهميش الفلسطينيين بإزالة شرط موافقتهم على التطبيع أو الوصول لحل نهائي، كما رأينا محاولة لإلغاء مفهوم اللاجئ الفلسطيني.

والآن، نحن نعود إلى مرحلة ما قبل ترامب، بمعنى التواطؤ والانحياز الشرير من السياسة الخارجية الأمريكية في التعامل مع إسرائيل، ولكن ليس حالة تماهٍ، بمعنى أننا قد نشهد خلافات، وسنشهدها، ولكنها لا تصل بالطبع إلى مستوى إضعاف عرى التحالف الاستراتيجي بين الجانبين.

ماذا يريد الديمقراطيون من حملتهم ضد “الترامبية”؟

الديمقراطيون يريدون إضعاف الحزب الجمهوري، وتسعير الحرب داخله بين المؤسسة التقليدية والتيار الترامبي، ولكن، هناك بعد آخر، مرتبط بمصلحة الولايات المتحدة.

إذ إن الترامبية تقدم صورة جديدة للعنف، وهي موجودة تاريخيا في الولايات المتحدة، ليس بدءا بالحرب الأهلية في القرن التاسع عشر مرورا بالمليشيات البيضاء المسلحة التي لطالما كانت تعتبر أن الدولة (الفيدرالية) لا يحق لها أن تتملك الأراضي العامة، والصدامات الدموية الناتجة عن ذلك، فضلا عن الصدامات العرقية.

ولكن، هذه أول مرة في التاريخ الأمريكي المعاصر، في مرحلة ما بعد الحقوق المدنية، وبعد مرحلة القرن العشرين، أن يتقمص رئيس الولايات المتحدة أجندة الولايات المسلحة البيضاء العنفية التي تريد أن تلغي الآخر، بل وحتى البيض الذين لا يتفقون مع أيديولوجيا التفوق العنصري والنقاء العرقي، ولذلك فهناك مصلحة لدى الإدارة الجديدة بمواجهة هذه الحالة التي تهدد أمن الولايات المتحدة وأمنها واستقرار نسيجها الاجتماعي والثقافي، حتى تماسكها كدولة.

هل يتمكنون من تحقيق اختراقات في البيئة السياسية الداخلية في ظل احتفاظ الرئيس السابق بسطوته على قطاع واسع من الجمهوريين؟


الأمور تسير عكس ما كان يشتهيه الديمقراطيون، بل حتى عكس ما كانت تريده المؤسسة التقليدية في الحزب الجمهوري، أي تطهير الحزب الجمهوري من حقبة ترامب وشخصه.

ونذكر أن ميتش ماكونيل، الذي كان زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، التي باتت اليوم أقلية، أعطى انطباعات قبل أسابيع بأنه قد يصوت لصالح إدانة ترامب في الكونغرس.

واليوم وصلنا بالفعل إلى أنه ستكون هناك محاكمة في مجلس الشيوخ، وكانت هناك توقعات بأن دعم ماكونيل للإدانة من شأنه تأمين الأصوات الـ17 التي يتطلبها ذلك من قبل الجمهوريين، على اعتبار أن جميع الديمقراطييين الـ50 بالمجلس سيذهبون بهذا الاتجاه، لكننا الآن نسمع بأن ماكونيل نفسه يتراجع عن ذلك الموقف.

الذي جرى هو التالي؛ بعد اقتحام الكونغرس أفادت استطلاعات الرأي بأن شعبية ترامب بقيت عند مستوى 34 بالمئة على مستوى أمريكا، وهذه الشعبية على المستوى العام، ولكن داخل الحزب الجمهوري تراجعت من 83 إلى 75 بالمئة، بمعنى أن ترامب لا يزال يملك الحزب حتى بعد اقتحام الكونغرس.

بل إن الاستطلاعات تظهر أن أكثر من 60 بالمئة من الجمهوريين يتمسكون بالإيمان بأن الانتخابات سرقت وزورت، فإذن الحزب والمؤسسة التقليدية وجدت نفسها أمام واقع أن كل من يصوت لإدانة ترامب سيتعرض للعقاب سواء في الانتخابات النصفية 2022 أو 2024.

الترامبية ستبقى لفترة طويلة، سواء شكل الرئيس السابق حزبه الخاص “الوطني”، أو بقي باعتباره شخصية نافذة في الحزب الجمهوري أو على قواعده.

وفي حال خرج ترامب وأخذ معه كتلة كبيرة من الجمهوريين، فإنه من المستعبد أن ينهار الحزب التقليدي، لكنه سيضعفه ويتسبب بخسارته لكثير من الانتخابات، فأصوات الجمهوريين بكل الأحوال قليلة، ولولا تركيبة النظام الانتخابي الأمريكي لكان الحزب أضعف مما هو عليه اليوم بكثير.

سطوة ترامب باقية، والكثير من أعضاء الحزب يتوددون إليه طلبا لدعمه، ومؤخرا زاره زعيم الأقلية بمجلس النواب، كيفن ماكارثي، واتفقا على العمل معا لمحاولة استعادة السيطرة على المجلس العام المقبل.

إذن لا يزال ترامب يحتفظ بسطوة كبيرة، وقد يتعرض للإضعاف جراء قضايا جنائية على مستوى الولايات أو جراء انشغاله بمحاولة إنقاذ علاماته التجارية، لكن الخيارات مفتوحة وقد يلجأ إلى فتح شبكة إعلامية لتعزيز حضوره، وفي كل الأحوال فالترامبية باقية لم تنته، وهنالك تيار قوي يدعمها، ولا أقول إن جميع الـ34 بالمئة الذين يواصلون تأييده اليوم هم ترامبيون، ولكن لا يقل هذا التيار عن 25 بالمئة في المجتمع الأمريكي، ونتحدث بذلك عن عشرات الملايين، هم قطاع كبير من النواة الصلبة لقاعدة الحزب الجمهوري.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :ملاحظة هامة: الآراء الواردة في هذا الركن لا تمثل بالضرورة رأي أو توجه هيئة تحرير جريدة الثالثة، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها فقط.