المغرب: مقدمات ما قبل المصالحة الشاملة؟

المغرب: مقدمات ما قبل المصالحة الشاملة؟

بلال التليدي

2021-04-02T16:30:06+01:00
2021-04-02T16:30:55+01:00
مقالات الرأي
2 أبريل 2021
المغرب: مقدمات ما قبل المصالحة الشاملة؟
بلال التليدي

ثمة مؤشرات مطردة على مستوى القرار السياسي في المغرب، تسمح بالحديث عن قرب الإعلان عن مصالحة شاملة، أو على الأقل قرب انفراج حقوقي.
من حيث السياق السياسي، ثمة على الأقل ثلاثة محددات تجعل هذه الخطوة مبررة وعقلانية، أولها أن المغرب سيعرف استحقاقين انتخابيين متزامنين، الاستحقاق التشريعي والجماعي وما يرتبط به من عمليات انتخابية تخص إحداث مكاتب مجالس الجماعات والعمالات ومكاتب الجهات. والثاني، أن المغرب بصدد الخروج من تداعيات كورونا، التي لا شك أن المعطيات الرقمية التي تخص آثارها ستكون صادمة، والتي بدأت تعبر بعض الحركات الاحتجاجية الفئوية عن تحدياتها. وأما الثالث، فيخص، تحولات السياسة الدولية، وصعود الديمقراطيين إلى دفة الإدارة الأمريكية، وحاجة المغرب إلى تكييف سياسته الداخلية وفقا لهذا المتغير لكسب معركة نزاع الصحراء ولتحصين مكتسب اعتراف الإدارة الأمريكية بمغربيتها. حاجة المغرب إلى الانفراجة الحقوقية في هذا السياق لا تخطئها العين، فإجراء استحقاقات انتخابية بالقاسم الانتخابي الجديد (الذي يجعل احتساب المقاعد على قاعدة المسجلين في اللوائح الانتخابية لا على أساس ما هو متعارف عليه في التجارب الديمقراطية باحتساب المقاعد بناء على عدد المصوتين تصويتا صحيحا أو على الأقل عدد المعبرين عن أصواتهم) سيمس في الجوهر بالمسار الديمقراطي، وسيظهر للجميع، أن القصد هو تخريج خارطة انتخابية جديدة تنهي تصدر العدالة والتنمية للمشهد السياسي. ولذلك، يحتاج تمرير هذا النمط من الاقتراع على أساس هذا القاسم الانتخابي الجديد، إلى ما يمتص تداعياته السلبية، ومنها ارتفاع منسوب العزوف عن العملية الانتخابية، وذلك، لا يتأتى إلا بقرار سياسي يعلن مصالحة شاملة، تهيئ الشرط السياسي، وتشيع أجواء الثقة التي تجعل العملية الانتخابية مستساغة حتى وهي بهذا الشكل المعيب ديمقراطيا.
تواتر الحركات الاحتجاجية (حراك الفنيدق، أساتذة، وممرضين، وأطر صحية، وتوعد عدد من الفئات بخوض احتجاجات على خلفية تضررها من طول فترة حالة الطوارئ الصحية) فضلا عن التداعيات السلبية التي خلفها التدخل العنيف ضد الأساتذة، والتمثلات السلبية التي تركها هذا التدخل، وبخاصة تمثل تغول السلطة في مخيال الرأي العام، هو محدد آخر، صار يبرر إعلان مصالحة شاملة، لإشاعة جو من الثقة في قدرة مؤسسات الدولة على التعاطي الإيجابي مع المطالب الفئوية، دون تعريض السلم الاجتماعي للخطر.
المحدد الثالث، مرتبط أساسا بالتحديات الجديدة التي أنتجتها المقاربة الجديدة التي انتهجها المغرب لحل مشكلة النزاع حول الصحراء، وتغيير مفردات سياسته الخارجية اتجاه الجزائر من جهة، واتجاه الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي من جهة ثانية، لاسيما إسبانيا وألمانيا، فهذه التحديات، فضلا عن تغير الإدارة الأمريكية، صارت تفرض تصليب مكونات الجبهة الداخلية، وإزالة كل أوراق الاحتقان التي من الممكن أن يتم الاستثمار فيها من قبل القوى الأجنبية، لإضعاف السياسة الخارجية الجديدة المغرب. في ضوء هذه المحددات الثلاثة، يمكن أن نفهم قرارات كبيرة، للأسف لم يتم إعطاؤها ما تستحق من التحليل، أو لم يتم فهمها في سياقها، ولم يتم استحضار أبعادها. ثمة على الأقل خمسة مؤشرات دالة، توجهت أربعة منها في الجملة لمؤسسة القضاء، والنيابة العامة، ومؤسسات المحاسبة والحكامة، فيما يخص الخامس، تغير الأسلوب في التعاطي مع اعتقال ناشط حقوقي.

ثمة مؤشرات مطردة على مستوى القرار السياسي في المغرب، تسمح بالحديث عن قرب الإعلان عن مصالحة شاملة، أو على الأقل قرب انفراج حقوقي

على مستوى السلطة القضائية، فقد عين الملك السيد محمد عبد النباوي رئيسا أول لمحكمة النقض، أي رئيسا منتدبا للمجلس الأعلى للسلطة القضائية بمقتضى الصفة الجديدة، والسيد الحسن الداكي، وكيلا عاما للملك لدى محكمة النقض، رئيسا للنيابة العامة، بهذه الصفة الجديدة، وعين خمسة أشخاص في المجلس الأعلى للسلطة القضائية، اثنين منهم تم تثبيتهما، فيما تم تعيين ثلاثة أعضاء جدد.
وعلى مستوى مؤسسات المساءلة والحكامة، فقد عين الملك، أحمد رحو، رئيسا للمجلس المنافسة، فيما عين زينب العدوي رئيسا للمجلس الأعلى للحسابات.
قد تبدو هذه التعيينات عادية، لكن الإشارات التي ارتبطت بها، وبشكل خاص، التعليمات التي تم الكشف عنها من قبل بعض المعينين، في خرجات إعلامية، تشير إلى أن الأمر، يندرج ضمن سياسة تصحيح صورة القضاء، وإثبات استقلاليته عن أي جهة، كما يندرج تعيين أحمد رحو في سياق تفعيل مجلس المنافسة، ووضع حد لخلاف اللوبيات التي أربكت قرارات هذا المجلس في الفترة السابقة بسبب ظاهرة التركيز والاحتكار والتوافق المحتمل في قطاع المحروقات، وفي نفس الاتجاه يمكن فهم إحالة نتائج التحريات التي أجريت حول هذه القضية إلى رئيس الحكومة لاتخاذ المتعين بشأنها، فيما يمكن قراءة تعيين السيدة زينب العدوي على رأس المجلس الأعلى للحسابات، باعتباره، دفعة في اتجاه تفعيل دور هذا المجلس، وتوسيع نطاق عمله، ونقل تقاريره من دائرة التداول الإعلامي إلى دائرة المحاسبة والإحالة على القضاء. من المؤشرات الدالة، ولو أنها جزئية، الإفراج عن الأستاذ الجامعي والناشط الحقوقي المعطي منجب ومتابعته في حالة سراح.
البعض قرأ في بلاغ وزارة الداخلية الذي صيغ بلغة عنيفة للرد على تصريحات السيد المعطي منجب عقب الإفراج عنه، على أساس أنه مظهر جديد لتغول السلطة، لكن، التأمل في عبارات البلاغ، والمستندات التي تم الاحتجاج بها لنفي التهم التي وجهها المعطي منجب لبعض الجهات الأمنية، وخلوه من أي دعوة إلى المتابعة، يعتبر بحد ذاته مؤشرا على تغير الخطاب، إذ يفهم من مضمونه، بعث رسالة إلى السيد منجب بمراعاة المرونة التي تعاملت بها السلطة ودعوته إلى الكف عن «الاستفزاز» أكثر منه، تصعيدا في حقه. تركيب هذه المؤشرات، أن السلطة السياسية تستبق وضعا من المحتمل جدا أن يتم ترتيبه قريبا، وأن القضاء، فضلا عن مؤسسات الحكامة والمساءلة، سيلعب أدوارا حيوية في هذا الوضع، وأن العقليات السابقة التي كانت تدار بها هذه المؤسسات، لن تكون خادما للوضع الجديد، الذي يتناسب مع مصالحة شاملة، تجعل من أهم شروطها إبعاد القضاء عن ساحة تصفية الحسابات السياسية، ونفي شبهة المحاباة عن مؤسسات الحكامة والمساءلة، لاسيما في الملفات الحارقة التي تسببت في اندلاع مقاطعة اقتصادية شاملة لبعض المنتجات.
لحد الآن، لم تغادر هذه المؤشرات هذه المؤسسات، ولم يصل الأمر إلى المجال الحيوي، أي القرار السياسي، الذي ينتظر لطي صفحة معتقلي الريف، وإنهاء الاحتقان مع الجسم الصحافي، والإفراج (العفو) عن (توفيق بوعشرين، سليمان الريسوني..) لكن التجارب السابقة، تؤكد بأن ترتيب الوضع المؤسساتي، يكون دائما سابقا عن أي قرار سياسي مرتقب. ما يخشى دائما، أن تحدث بعض المتغيرات التي تبرر حالة التردد في المضي في هذه الخطوة، فقد أبانت السوابق الماضية، أن التحديات الأمنية، أو التعاطي غير المتلائم من قبل بعض النخب مع هذه المقدمات المبشرة، وعدم التقاط إشاراتها، يدفع إلى تسويغ حالة جمود الموقف.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :ملاحظة هامة: الآراء الواردة في هذا الركن لا تمثل بالضرورة رأي أو توجه هيئة تحرير جريدة الثالثة، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها فقط.