المغرب: التجربة الديمقراطية على المحك

المغرب: التجربة الديمقراطية على المحك

بلال التليدي

الثالثة
مقالات الرأي
20 فبراير 2021
المغرب: التجربة الديمقراطية على المحك
بلال التليدي*

مع محطة الانتخابات التشريعية 2021، بدأت تضيق خيارات التوافق حول القضايا الإشكالية التي يفترض أن تحسمها القوانين التنظيمية المنظمة للعملية الانتخابية، وفي المقابل بدأت تبرز معالم الصورة التي سيأخذها المسار الديمقراطي بالمغرب، لاسيما بعد المصادقة في المجلس الوزاري الأخير على أربعة قوانين تنظيمية بهذا الخصوص.
والواقع، أن العنصر الحاسم في تكوين هذه الصورة غاب عن هذه القوانين (القاسم الانتخابي) فلحد الآن لا يعرف هل سيحتسب القاسم الانتخابي على قاعدة المصوتين كما يجري الحال في مختلف الديمقراطيات، أم سيتم احتسابه على قاعدة عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية، والذي ليس له من مضمون سياسي سوى إضعاف قدرة أي حزب على الفوز بأكثر من مقعد في الدائرة الواحدة.
ومع أن هذا العنصر الحاسم ذا الطبيعة التقنية في شكله، يختصر في الجوهر الخلاف السياسي حول المضمون الديمقراطي للعملية الانتخابية، وهل يراد للتجربة السياسية المغربية أن تحقق التراكم الديمقراطي، أم يراد لها أن تبقى محكومة بالتوازن وإدارة النخب، فإن القوانين التنظيمية الأربعة التي صادق عليها المجلس الوزاري لا تترك المساحة بالغموض الذي كانت عليه من قبل.
فقد ظهر من موادها الرئيسية، ثلاثة توجهات كبرى، يصعب قراءتها من وحي ما تعبر عنه ديباجة هذه القوانين، التي تقدم تعليلات تضمر الخلفية السياسية للمشرع أو الذي يقوم وراءه. أول هذه التوجهات، هو العدول عن نمط الاقتراع اللائحي إلى نمط الاقتراع الفردي في الدوائر الانتخابية التي يبلغ عدد سكانها 35 ألف نسمة بعدما كانت من قبل في حدود 50 ألف نسمة، وهو ما يفيد توسيع نطاق العمل بالاقتراع الفردي على حساب الاقتراع اللائحي. الثاني، يتعلق بإعمال قاعدة التنافي بين رئاسة المجالس الجماعية وبين العضوية في البرلمان في عدد من الدوائر الكبرى، بعدما كان الجمع بين ذلك جائزا ومبررا في القوانين التنظيمية السابقة.
أما الثالث، فيتعلق، بتمثيلية المنظمات المهنية، ووضع ضوابط قانونية ترسم تراتيب تنظيمية داخلية أقدم عليها الاتحاد العام لمقاولات المغرب، بغية إبقائه على طبيعته، وحماية فريقه من الترحال السياسي في مجلس النواب.
بيان ذلك، أن هذه المنظمة المهنية، المقربة جدا من حزب التجمع الوطني للأحرار، أقدمت مؤخرا على تعديلات قانونية، تمنع بموجبها أعضاءها من الانتماء للأحزاب، فجاء القانون التنظيمي، ليؤكدها بالتنصيص على سحب عضوية أي برلماني يغادر المنظمة المهنية إلى أي حزب سياسي. التأمل في ديباجة هذه القوانين، والتعليلات التي تم سوقها لتبرير اللجوء إليها، يشعر بأن المقصود هو تعزيز المضمون الديمقراطي، لاسيما إن تم النظر إلى هذه التوجهات الثلاثة في علاقة بما ورد في مقتضيات أخرى، تهم تعزيز المشاركة السياسية للمرأة، وتقوية الدعم المالي للأحزاب، لكن، الدخول في التفاصيل، يشعر بأن التحديات المطروحة على العملية الانتخابية، تمس في الجوهر المضمون الديمقراطي، وتسائل المسار برمته، هذا بدون استحضار ما يمكن أن يؤول إليه الخلاف حول القاسم الانتخابي وحول «كوتا» الشباب وغير ذلك من القضايا الخلافية التي لم تحسم لحد الآن.

بدأت تضيق خيارات التوافق حول القضايا الإشكالية التي يفترض أن تحسمها القوانين التنظيمية المنظمة للعملية الانتخابية، وفي المقابل بدأت تبرز معالم الصورة التي سيأخذها المسار الديمقراطي بالمغرب

بيان ذلك يتضح إذا تم استحضار الحلقات السابقة من التراكم الديمقراطي، وبالتحديد، التعليلات التي وضعها المشرع في القوانين التنظيمية السابقة، التي انتصرت بقوة لنمط الاقتراع اللائحي، واعتبرته آلية مهمة لنقل وعي القاعدة الانتخابية من مستوى الارتباط بالشخص والقبيلة إلى مستوى الارتباط بالحزب السياسي والبرنامج والاختيارات. صحيح أن العدول إلى الاقتراع الفردي في القوانين الجديدة ليس كليا، وإنما شمل دوائر معينة، وأبقى الدوائر الكثيفة سكانيا، لاسيما منها في المجال الحضري، تحت طائلة الاقتراع اللائحي، لكن، بين الدوائر التي يسكن بها 25 ألف نسمة، والتي يسكن بها 50 ألف نسمة، ثمة حساب دقيق، يبرر عملية الانتقال من اللائحي إلى الفردي: حساب تكشفه نتائج الانتخابات السابقة، ويبين أن المقصود ليس إلا الإضعاف الانتخابي للأحزاب التي كانت المستفيد الأول من نمط الاقتراع اللائحي مثل حزب العدالة والتنمية، والانتصار للأحزاب التي كانت تفوز في السابق بنمط الاقتراع الفردي، فصارت «ضحية» لاعتماد نمط الاقتراع اللائحي مثل حزب الاستقلال وأحزاب الأعيان عموما.
المعطى الثاني يزيد الأمر توضيحا، فتنصيص القانون على تنافي صفة برلماني مع رئاسة مجالس الجماعات (عمدة) في الدوائر التي يفوق عدد سكانها 300 ألف نسمة، لا يحتاج إلى تحليل، فالمعني الأول بهذه الدوائر، هو حزب العدالة والتنمية، الذي حصل العمودية في أغلب المدن الكبرى والمتوسطة، وهو ما يعني، إجبار هؤلاء الذين تتوفر فيهم صفة الجمع بين رئاسة المجلس الجماعي وبين صفة برلماني على اختيار واحد بدلا من فرصتين، أي إضعاف قدرتهم على استثمار إنجازهم في التدبير الجماعي، وتحويله إلى مكسب يحصلون من ورائه الصفة البرلمانية، وفي الوقت ذاته، الاضطرار إلى اللعب بلاعبين جدد، لا تتوفر فيهم الكاريزما السياسية اللازمة لتحصيل المقعد البرلماني أو الجماعي. أما المعطى الثالث، فرغم أن الظاهر فيه حماية الفريق الممثل للمنظمة المهنية الممثلة لرجال الأعمال (الاتحاد العام لمقاولات المغرب) والإبقاء على حياديته السياسية، إلا أن أحزابا أخرى-مثل حزب الاستقلال-ترى أن المقصود شيء آخر، وهو التمكين لحزب التجمع الوطني الأحرار، الذي تعتبر هذه المنظمة تعبيره الاقتصادي وصوته داخل رجال الأعمال، وفي الوقت ذاته، احتكار الحزب لهذه المنظمة، وحرمان الأحزاب السياسية من حقها في التمثيل داخلها. ثمة شيء واحد ربما ينظر إليه البعض على أنه يسير في اتجاه تراكمي، وهو تمثيلية النساء ودعمها، وأن القوانين التنظيمية الأخيرة مضت في اتجاه تعزيز تمثيليتهم، بعد أن نقلت أساس التمثيلية في اللائحة الوطنية من طابعه الوطني إلى طابعه الجهوي. والحقيقة، أن هذا المعطى يمكن النظر إليه من زاويتين متقابلتين، فبقدر ما يفيد الانفتاح على الكفاءات الجهوية، وضمان حقها في التمثيل، بعدما أن كان الأمر حكرا على القيادات الوطنية، بقدر ما يفيد إنهاء سطوة الأحزاب التي كانت المستفيدة رقم واحد من اللائحة الوطنية النسائية، وإعادة رسم التمثيلية بناء على الأصوات الجهوية، بما يعني التقليص من حظوظها، أي سيكون مطلوبا من حزب العدالة والتنمية، باعتبار أنه كان المستفيد الأول من اللائحة الوطنية النسائية، أن يضمن للوائحه النسائية الجهوية نفس الزخم الذي كان يوفره على مستوى اللائحة النسائية الوطنية لكي يحصن عدد مقاعده فيها، وهم أمر مشكوك فيه.
حاصل هذه التوجهات، ودون اعتبار للقضايا الخلافية الثلاث، والتي ستقدم الصورة بشكل أفضل (القاسم الانتخابي، «كوتا» الشباب، ومشاركة المغاربة المقيمين بالخارج) أن السمة التي تجمعها، هو تقليص المساحات التي كانت يستفيد منها حزب العدالة والتنمية لتحصيل عدد أكبر من المقاعد، وتمكين الأحزاب الأخرى من مساحة لمضاعفة مقاعدها، لاسيما الأحزاب التي تعتمد على الأعيان والروابط القبلية لتحصيل عدد من المقاعد لاسيما في الوسط القروي وفي المدن الصغرى والمتوسطة.

*كاتب وباحث مغربي

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :ملاحظة هامة: الآراء الواردة في هذا الركن لا تمثل بالضرورة رأي أو توجه هيئة تحرير جريدة الثالثة، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها فقط.