الحلول العسكرية بين غياب وحضور النخب السياسية

الحلول العسكرية بين غياب وحضور النخب السياسية

ياسر بدوي

2021-04-02T16:29:00+01:00
2021-04-02T16:48:58+01:00
مقالات الرأي
2 أبريل 2021
الحلول العسكرية بين غياب وحضور النخب السياسية
ياسر بدوي*

لم تأت طروحات مشروع المجلس العسكري السوري من فراغ عندما ربط تشكيل المجلس بالقرارات الدولية والحل السياسي في سوريا وعندما يصر المؤسسون للمشروع على الحياد الإيجابي والموضوعية تجاه كل التيارات والمنصات السياسية المعارضة بما يتفق ويراعي معايير حيادية المؤسسة الأمنية والعسكرية المعمول بها في الأنظمة الديمقراطية ببلدان العالم المتحضر، ويؤسس مشروعاً وطنياً يقوم على المهنية والحرفية في العمل العسكري الوطني، ويستلهم ذلك من تجارب سوريا المريرة، ويستفيد من التجارب الدولية الناجحة في ضبط العلاقة بين السياسة والجيش، لذلك كانت الورش اليومية التي يقيمها العسكريون من أجل بلورة الأسس والمنطلقات لإطلاق مشروع المجلس العسكري، وللوصول الى الغايات والأهداف التي تؤسس لمعادلة وطنية صالحة، و تزيل المخاوف من سيطرة الجيش على الحياة السياسية والمدنية وعدم عسكرة المجتمع، ضمن مسار فقه المراحل وعدم ترك الأمور للصدفة، أو لمزاج شخصي قد يغري مجموعة عسكرية مرتبط بسياسيين للسيطرة على الحكم.

بداية ككاتب و صحفي متتبع للنشاط السياسي والعسكري، وجدت أن غياب الدراسات والأبحاث المرتبطة بالعلاقة بين الجيش و السياسة انطلاقا من الواقع السوري الحالي وانعكاسات تلك العلاقة على شكل المرحلة الانتقالية المراد الوصول لها وما هو موجود حول هذه الفكرة لا يعدو أن يكون استعراض تاريخي عن سلبية هذه العلاقة وعلى خلفية صراع سياسي تاريخي على السلطة في سوريا معزول عن مقدمات ونتائج ثورة العام 2011 ومنطلق من مأسوية ايديولوجية شعاراتية نابعة من ضغط الواقع حول مرحلة الأسد الأب والابن دون التحليل المنطقي للحاضر لتجاوز الواقع الذي ما زال مستمرا و قائما و يهدد وجود السوريين وحاضرهم، لذلك تسود حالات عشوائية في التفكير لا تقنع الجمهور ولا القوى الفاعلة التي تمسك تلابيب الحل في سوريا، مع سيادة متلازمة المؤامرة الدولية وأن كل ما يحدث هو بإرادة دولية وتخطيط سلبي دولي، حتى من جهة من نظّر للعلاقة بين الجيش والسياسة نجدهم إما صامتين كما فعل السيد بشير زين العابدين مؤلف أضخم كتاب عن علاقة الجيش بالسياسة، والسيد عزمي بشارة صاحب مؤلف يحمل العنوان ذاته، واختصر الحديث عن مشروع المجلس العسكري بجملة واحدة أنهم -ويقصد المجتمع الدولي- لن يقبلوا بالمجلس العسكري، فكرة استباقية عدمية أمام مشروع ضخم يحتاج لدراسات وأبحاث لبلورته وجعله قابلا للحياة، وفي مقلب آخر يقوم سياسيون بتشكيل مجالس عسكرية تتبع لهم ولتيارهم السياسي وهو خرق مهني وقانوني لمهنية الجيش المزمع تشكيله في الدولة الوليدة.

انطلاقاً من الواقع الحالي لسوريا، وفي سياق التحولات الكبرى القادمة، يأت مشروع المجلس العسكري السوري، ليضع مسافة بينه وبين السياسيين، ويساهم في تكوين العناصر الأساسية لإعادة بناء الدولة ونظامها السياسي الديمقراطي القادم وينظم علاقته بالمجتمع، ويكون النواة المحترفة من الضباط المتفرغين للعمل في الجيش في زمن الحرب والسلم، لبناء جيش محترف ومنضبط، وليكون حسب نظرية صاموئيل هنتغتون في كتابة الجندي والدولة مهنيا مثل مهنة المحامي والطبيب، حيث أن لهذه المهنة ميزة خاصة بها تقوم على مجموعة من القواعد والأخلاقيات في ادارة العنف و توطيد السلام، وبحسب آراء ماكس فيبر يجسد الجيش قيم الطاعة والدقة في تنفيذ التعليمات والانضباط وتفضيل الجماعة على الفرد، ورفع مصالح الدولة فوق مصالح الجماعات، والعلاقة والتبعية للسلطة و الايدلوجيا تلحق الضرر بهذه المهنية.

مشروع المجلس العسكري ـكما سمعت من ضباطهـ يقوم على الفصل الكامل بين السياسة والمؤسسة العسكرية كما هو معمول به في الدول المتقدمة لتمدين الحياة العسكرية بولوج قيم المواطنة الى عالم العسكر و الجيش بالعمل و القانون و التشريعات، واخضاع الجيش و موازنته لرقابة السلطة المنتخبة.

خلاصة القول: مشروع المجلس العسكري السوري الوطني ماض في شق طريقه وهو مشروع بناء دولة على انقاض الركام السياسي والعسكري وركام الحجارة ورائحة البارود والخوف الأكبر إن تقدم العسكر و بقي السياسيون والحقوقيون يلعنون الظلام وأن يتأخر بناء المجتمع السوري.

فهو اطلاق حراك وطني في المجالات كافة، ولا بد من التدافع الاجتماعي الذي يستبق الأحداث ويكف عن سياسة الانتظار، والأفكار المعلبة والمقولبة المستمدة من خواطر وهرطقات بعيدة عن المهنية و التفكير بالمستقبل، المستقبل يصنع الرجال وأصحاب التفاؤل والأمل وأخيرا، يرى المتشاءم الصعوبة في كل فرصة، أما المتفاءل فيرى الفرصة في كل صعوبة.

وكالة زيتون – مقال رأي- *– كاتب وصحفي

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :ملاحظة هامة: الآراء الواردة في هذا الركن لا تمثل بالضرورة رأي أو توجه هيئة تحرير جريدة الثالثة، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها فقط.