أولادنا في كندا

أولادنا في كندا

بقلم خالص جلبي

2019-12-09T15:11:41+01:00
2019-12-09T15:11:49+01:00
مقالات الرأي
9 ديسمبر 2019
أولادنا في كندا
خالص جلبي

التقيت في أحد دول الخليج بطبيب جراح اختص في أمريكا فودعها وحمل عشرة من أطفاله من جنات ونهر إلى بلاد الحر والغبار والضجر. سألته لماذا القدوم؟ قال: خشيت على أولادي من الفتنة فأحضرتهم إلى بلاد تحكمها الشريعة ويسمعون اللغة العربية! قلت له ولكن العربية غادرت هذه البلاد وحلت محلها لغة ريتشارد قلب الأسد، وأم الإسلام فقد غادر هذه البلاد منذ أيام كافور الأخشيدي وقراقوش!
لعل السؤال الأكبر في المهجر هو لماذا غادر القوم أوطانهم حيث تشرق الشمس إلى بلاد مثل كندا تغرب فيها الشمس وتنزل الحرارة إلى اربعين تحت الصفر مايذكر بطريق البطريق في بلاد الانتراكتيس.
لماذا تركوا بلادا يرفع فيها الآذان إلى بلاد لايرفع فيها آذان ولايدق فيها ناقوس ويعمل الناس يوم الجمعة.
كان دافع الهجرة في الأغلب إما هربا من براميل بشار الكيماوي أو بطالة قاتلة أو تربة علمية قاحلة. فكان الرحيل إلى أرض تفيض لبنا وعسلا وماكينة عمل محكمة واقتصاد زاهر وجامعات راسخات أشد من الجبال الراسيات. أليس كذلك. قلتها في خطبة الجمعة في سانت هيسانتيه قريبا من مونتريال في كندا(Saint Hysanthe).
إن من يضع قدمه في سلم الهجرة ويصعد إلى سقف العالم يزاح السلم ويحال بينه وبين العودة إلى الوطن المنكوب! لماذا؟
هل يودع بلاد الإنصاف والعدالة والدقة والوضوح إلى بلاد العتمة والفوضى والوسخ والرشوة والمحسوبية؟ لا والله.
مع هذا يبقى السؤال معلقا حول مصير الأولاد والذراري.
يجد المهاجر العمل والرزق والكرامة والمساواة إلى حد كبير، ولكن مصير الأولاد مختلف في ظل ثقافة ماحقة ولسان طاغي وثقافة مهيمنة فلا يرطنون إلى بالفرنساوية لغة لويس الرابع عشر أو لسان ريتشارد قلب الأسد.
ثم بأي دين سيدينون وإلى أي قبلة سوف يتوجهون؟
كندا مثلا بلد يستقبل كل عام 1% من عدد سكانه مايزيد عن 300 ألف مهاجر بعائلاتهم وقضهم وقضيضهم فيطحنهم في أحشائه ويستعملهم (براغي = قطع غيار) في ماكينته العملاقة ويبنى بهم مجتمعه الرغيد كما تفعل معدتنا والأمعاء في غذائنا اليومي الذي نتناول.
هذه هي طبيعة الأشياء فلا نستغرب. الماء يهبط إلى الأسفل. والغمام يعانق السماء. والطيور تبحث عن الحبوب والدفء. وسمك السلمون يغادر نهر فرايزر فيمضي في رحلة 10 آلاف كم إلى المحيط وكذلك طبيعة الهجرات.
حاليا ربما أصبح 10% من سكان مونتريال في كندا من العرب ولربما فاق عدد سكان شمال أفريقيا مائة ألف أو يزيدون.
الكنديون ومن يخطط لهذا البلد من حكماء خلف الستار مثل قطعة المغناطيس تجذب برادة الحديد من العالم بين صيني وصربي، وفيتنامي وطلياني، ولبناني وسوري يدركون ماذا يفعلون. إنهم لايراهنون على الجيل الأول ولا الثاني بل الثالث في مدى ستين عاما ويزيد.
والجواب هذا يخضع لقانون الرفع والخفض كما في القرآن خافضة رافعة.
إن كان المهاجرون على درجة من الوعي بفهم هذا المجتمع الجديد فبنوا لأنفسهم منارات من العلم والهدى، حافظوا على أفضل مافي هذا المجتمع من تعليم وحرية تعبير وإبداع فكري وفني. وإلا ازدردهم المجتمع بفعل ثقافته القوية المتفوقة الكاسحة فتحولوا إلى قطع غيار ونسوا ثقافتهم التي منها جاؤوا وإليها ينتسبون. لربما بقيت أسماؤهم هذا إن بقيت لهم أسماء.
لاتخافوا على ضياع اللسان فهو أمر متوقع ولكن المهم المفاهيم الإيجابية التي يحملها كل دين ومذهب إنساني.
الإسلام غير مرتبط باللسان، والقرآن يقرر هذا من تعدد الألسنة ووحدة المفاهيم فيقول وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه. والمهم في أولادكم حمل القيم الإيجابية من روح العدل وبر الوالدين وصلة الرحم وإقام الصلاة وهي قيم مكررة في كل دين ومذهب إصلاحي أن لايسرق ولا يزني ولايقتل ولايكذب ولايزني ولايفسق. ويمكن قراءة تعليمات لقمان لابنه في هذا.
أنتم محظوظون أن جئتم إلى هذا البلد الآمن الذي يمشي نحو المستقبل بساقين من العلم والسلم وليس من الرشوة والفساد والمحسوبية.
علموا أولادكم القيم الإيجابية في المجتمع الكندي ودافعوا عنها فهذا ماجاء به الإسلام ودعا له كل الأنبياء والمرسلين والمصلحين.
حين قدمت ببناتي إلى كندا أصيتهم بثلاث احذروا من الإباحية والعنصرية وروح الاستهلاك وأقم الصلاة لذكري.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :ملاحظة هامة: الآراء الواردة في هذا الركن لا تمثل بالضرورة رأي أو توجه هيئة تحرير جريدة الثالثة، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها فقط.